في مشهد من الرقي والوعي الجماعي، اختار سكان آيت بوكماز بإقليم أزيلال التعبير عن مطالبهم بطريقة حضارية وسلمية لفتت انتباه الرأي العام. مئات المواطنين، نساء ورجالا، شدوا الرحال مشيا على الأقدام نحو مقر ولاية جهة بني ملال خنيفرة، حاملين معهم هموم التهميش ومعاناة العزلة، لكن أيضا حاملين رسالة قوية: نحن نعرف كيف نطالب، فهل أنتم تعرفون كيف تستجيبون؟
المطالب كانت واضحة وبسيطة: إصلاح الطريق، توفير مرفق صحي لائق، بناء ملعب لكرة القدم، وتحسين البنية التحتية والخدمات التعليمية. وهي مطالب لا تتجاوز الحقوق الأساسية لأي مواطن مغربي، لكنها وللأسف لا تزال حلما في مناطق جبلية مثل آيت بوكماز.
ما جعل هذا الاحتجاج مختلفا هو الأسلوب. لا عنف، لا سباب، لا شغب. فقط حناجر تطالب، وخطى ثابتة تسير نحو مقر السلطة لإيصال صوتها.
هذا المشهد النبيل وجد صداه حتى في الأوساط السياسية، حيث أشاد رئيس الحكومة السابق، سعد الدين العثماني، بهذه الخطوة قائلا:
“لقد قاموا بشيء رائع هو الاحتجاج السلمي ورفع طلباتهم وحاجاتهم. فلهم كل التحية، ومطلوب من الجهات المختصة النظر في تلك المطالب وتحقيقها في آجال معقولة”.
السلطات الجهوية تفاعلت في نهاية المطاف، وتم تسلم الملف المطلبي، مع تقديم وعود بالنظر فيه. لكن الواقع يعلم ساكنة الجبال أن الوعود لا تعبد الطرق، ولا تفتح المستوصفات، ولا تعلم أبناءهم. فهم بحاجة إلى التزامات واضحة، وأجندة تنفيذ، ومحاسبة للمسؤولين عن التأخر في إنصاف هذه الرقعة المنسية من البلاد.
الرسالة وصلت.. فهل الرسالة مفهومة؟
ما حدث في آيت بوكماز ليس مجرد احتجاج محلي على غياب طريق أو ملعب، بل درس وطني في كيفية المطالبة بالحقوق بشكل سلمي ومسؤول. الكرة الآن في ملعب المسؤولين: هل يرتقون إلى مستوى هذا الوعي الشعبي الحضاري؟ هل تكون هذه الخطوة بداية لقطيعة مع الإهمال وفتح صفحة جديدة من العدالة المجالية؟
الساكنة قامت بدورها. والمطلوب الآن من المنتخبين، والوزارات، والجهات المسؤولة، أن يتحركوا بنفس الهدوء، ولكن بكثير من الفعالية. لأن مغرب اليوم يحتاج إلى دولة تستمع، لا تتهرب، وتستجيب، لا تكتفي بالتصفيق للاحتجاجات الراقية.


