شرعت لجان التفتيش المالية والإدارية، منذ أيام، في القيام بمهام دقيقة بمقاطعات الدار البيضاء، هدفها الوقوف على مدى قانونية الصفقات وسندات الطلب التي تم إنجازها خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2024، وهي الفترة التي تشمل السنة الأخيرة من الولاية السابقة وثلاث سنوات من الولاية الحالية.
وقد وجهت هذه اللجان مراسلات رسمية لرؤساء المقاطعات، تطلب من خلالها تسليم ملفات متكاملة تهم الإعلانات ودفاتر التحملات ومحاضر لجان فتح الأظرفة، إضافة إلى لوائح الصفقات المنجزة والملغاة، وأسماء الشركات الفائزة والمتنافسة. يأتي ذلك في إطار تحقيق معمق حول مدى الالتزام بالقانون التنظيمي رقم 14-113، خاصة المادة 87 التي تحدد بوضوح صلاحيات المجالس المحلية.
صفقات بالجملة تحت المجهر
ووفق معطيات أولية حصلت عليها “آنفا نيوز”، فإن التحقيقات الأولية كشفت عن وجود ما لا يقل عن 278 سند طلب تثير شبهات مختلفة، من أصل آلاف العمليات التي أنجزت خلال السنوات الخمس الأخيرة، بمتوسط 25 عملية سنويا في كل مقاطعة.
المثير في الأمر أن بعض رؤساء المقاطعات يشتبه في تجاوزهم لاختصاصاتهم القانونية، من خلال التعاقد المباشر على مشاريع تندرج ضمن صلاحيات المجلس الجماعي وليس المقاطعات، مثل تجهيز ساحات أو بناء مرافق عامة، دون المرور عبر المساطر اللازمة التي ينص عليها القانون، بما في ذلك رفع ملتمسات إلى المجلس الجماعي للموافقة عليها.
وتشير الوثائق المتوفرة إلى أن بعض المنتخبين فضلوا اختصار الطريق القانوني الطويل، عبر تكييف بعض المشاريع الكبرى تحت غطاء “إصلاح” أو “تهيئة”، ما يمكنهم من إطلاق الطلبات مباشرة دون العودة للمجلس الجماعي.
كما أن جزءا من التحقيق يركز على ممارسات تعود للفترة التي سبقت المرسوم الجديد للصفقات العمومية، والذي رفع سقف سندات الطلب من 200 ألف إلى 500 ألف درهم، وهي ثغرة كان بعض المسؤولين يستغلونها من أجل تفصيل الطلبات على مقاس شركات محددة، في صيغ تبدو قانونية لكنها تتحايل على النصوص الصريحة.
ولم تخف مصادر مقربة من التحقيقات وجود شكوك قوية حول غياب شروط الشفافية والتنافسية، إذ تبين في عدد من الحالات أن نفس الشركات والموردين يفوزون بشكل متكرر بعقود مع المقاطعات، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد الصفقات العمومية في جوهرها.
وتأتي هذه الحملة في وقت تتزايد فيه الدعوات من المجتمع المدني والفاعلين المحليين لتكريس الشفافية في تدبير المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كافة مستويات التدبير الترابي. التحقيقات جارية، والمحاسبة قد تطرق أبواب أكثر من منتخب في الأيام المقبلة.


