في قلب العاصمة الاقتصادية، حيث تتقاطع الحشود اليومية مع نبض الخدمات العمومية، هبت رياح التغيير على قطاع الصحة العمومية، لكن ليس من باب الإصلاحات الجذرية، بل من ممرات التعيينات والتنقيلات. فقد شهدت مديرية الصحة بجهة الدار البيضاء–سطات، قبل يومين، حراكا إداريا وصف بـ”الحاسم”، استهدف مدراء مستشفيات ظلت طويلا في صدارة الشكاوى والتقارير السوداء.
حراك إداري تحت المجهر
المدير الجهوي للصحة اجتمع، مساء الجمعة، خلف أبواب مغلقة، مع المدراء والمناديب الجهويين، ليحسم في أسماء مغادرة وأخرى قادمة، في عملية “إعادة انتشار” مست مدراء مستشفيات كبرى بالمدينة، من قبيل مستشفى ابن امسيك، ومولاي رشيد، ومحمد بوافي، وهي أسماء تحضر يوميا في سرديات الألم البيضاوي.
جلال خيري، أحد أبناء الدار البيضاء في الإدارة الصحية، عين مديرا جديدا لابن امسيك، فيما انتقل سعيد بلعسلي إلى مستشفى بوافي، قادما من مولاي رشيد، ليحل محله الدكتور عرشان، المنتقل من القنيطرة.
لكن، هل تسعف هذه الحركة في وقف نزيف الأعطاب الذي ينهش الجسد الصحي للمدينة الأكبر في المغرب؟ أم أن التغيير يظل تجميليا إذا لم يعالج أصل الداء؟
بوافي… المستشفى الذي يحتضر
الأرقام، كما الأصوات القادمة من الميدان، ترسم صورة قاتمة. مستشفى بوافي الذي استقبل مديرا جديدا قبل أن يجف حبر تعيينه، يعاني من غياب شبه تام للأطباء المختصين، خاصة في الأمراض التنفسية، الجلدية، والمفاصل. قسم الإنعاش الذي كان بصيص أمل للمرضى، مهدد بالإغلاق بسبب انتهاء عقود الطاقم المشرف، وسط صمت رسمي وإحباط شعبي.
بل إن ما هو أكثر إثارة للقلق،.. أن هذا المستشفى لم يقم، بحسب المعطيات المتوفرة،.. بإحصاء دقيق لحالات مرض السل، رغم تفشيه في أحياء شعبية معروفة. في زمن الحماية الاجتماعية و”تعميم العلاج”، هناك مواطنون لا يجدون حتى من يشخّص علتهم.
مباراة بلا فائز.. أزمة قيادة
في سياق مواز،.. كانت مباراة وزارة الصحة لشغل منصب مدير مستشفى بوافي قد انتهت بنتيجة صادمة: لا أحد ناجح. حتى المديرة الحالية،.. التي تسير الأمور بالنيابة، لم تنجح في الظفر بالمنصب. فهل هو فشل فردي، أم مؤشر على أزمة أطر تعكس ما هو أعمق في المنظومة؟
تطهير أم إعادة انتشار؟
منذ تولي الوزير أمين التهراوي مسؤولية وزارة الصحة،.. دخلت المملكة ما يشبه حملة “تطهير إداري” في القطاع، أطاحت بعدد من المسؤولين. تحركات تحسب لها الجدية،.. لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات عن استدامة الحلول، وعن أسباب هذا الخلل البنيوي الذي لا يمكن أن يختزل فقط في فشل الأشخاص.


