اختتمت غرفة الجنحي التلبسي بالمحكمة الابتدائية بالجديدة فجر الخميس أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بعد ثلاث جلسات ماراثونية، بإصدار أحكام حبسية صارمة في حق أربعة متهمين، ضمنهم امرأتان، تورطوا في فضيحة وساطة غير قانونية داخل محيط المحاكم.
الهيئة القضائية، برئاسة القاضي خالد سلكان، قضت بإدانة المتهم الرئيسي بخمس سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية ثقيلة بلغت 50 ألف درهم، فيما أدينت إحدى المتهمتين بثلاث سنوات سجنا نافذا وغرامة قدرها 30 ألف درهم، أما المتهمة الثانية فحكم عليها بسنة ونصف حبسا نافذا وغرامة بقيمة 10 آلاف درهم، وأخيرا نال المتهم الرابع سنة حبسا نافذا مع نفس الغرامة المالية. كما قررت المحكمة مصادرة هواتفهم المحمولة، والتي لعبت دورا حاسما في تفكيك خيوط القضية.
القضية بدأت عندما باشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقيقاتها تحت إشراف النيابة العامة المختصة بجرائم الأموال لدى استئنافية الدار البيضاء، بعد توصلها بمعطيات دقيقة تفيد بوجود وسطاء ينشطون قرب محاكم الجديدة، يتدخلون في ملفات معروضة على القضاء مقابل مبالغ مالية.
وخلال التحقيقات، تم الاستماع إلى المتهمين ومواجهتهم بتسجيلات هاتفية موثقة تم التقاطها بناء على تعليمات قضائية وبموجب الفصل 108 من قانون المسطرة الجنائية. هذه التسجيلات كشفت عن تدخلات مشبوهة في قضايا جنائية قصد التأثير على مسار الأحكام أو التوسط لإطلاق سراح متهمين واسترجاع محجوزات.
النتائج الأولية دفعت الوكيل العام إلى إحالة أربعة من المتهمين على وكيل الملك بابتدائية الجديدة لعدم الاختصاص النوعي، فيما تم تفكيك الشبكة على مراحل، ليشمل الملف في مجموعه 25 مشتبها به، توبع 10 منهم في حالة اعتقال، وأحيلوا على قاضي التحقيق الذي أمر بإيداعهم سجن عكاشة، فيما تابع القضاء 7 آخرين في حالة سراح، بينما تم توزيع ملفات باقي المتهمين بين النيابات العامة في الجديدة وآسفي وعين السبع.
مكالمات وتسجيلات تفضح شبكة السمسرة
من خلال التحقيقات، تبين أن المتهم الرئيسي كان يدعي امتلاكه لعلاقات نافذة داخل محكمة الاستئناف بالجديدة، ما كان يشجع بعض المتقاضين على اللجوء إليه، طمعا في تخفيف العقوبات أو تسوية وضعيات قانونية معينة. وتمكنت المصالح الأمنية من رصد ما لا يقل عن 75 مكالمة هاتفية تورط المتهم الرئيسي في قضايا وساطة ووساطة مضادة.
واعترف أحد الضحايا بأنه دفع مبلغا للمتهم مقابل التدخل لتخفيض حكم صادر ضد ابنه، وهو ما تم بالفعل، إذ خفضت العقوبة من سنة إلى ستة أشهر. من جهتها، أقرت إحدى المتهمات بتسلمها مبالغ مالية مقابل التدخل في بعض القضايا، بينما أنكرت متهمة أخرى كل ما نسب إليها، مشددة على أنها لم تتقاض أي مقابل ولم تمارس أي وساطة.
هذه القضية أعادت الجدل إلى الساحة القانونية حول ظاهرة “السماسرة” في محيط المحاكم، وكيف أن بعض المتقاضين ما زالوا يراهنون على العلاقات الشخصية عوض المساطر القانونية. كما تطرح تساؤلات حول الحاجة لتشديد الرقابة على ممارسات غير قانونية تمس بسمعة العدالة.


