تواجه جهة الشرق تحديا اقتصاديا واجتماعيا بارزا يتمثل في ضغط مستمر على سوق الشغل، حيث كشفت أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن بلوغ معدل البطالة بالجهة رقما مقلقا استقر في حدود 19.6%. وفي هذا السياق، وتفعيلا لبرنامج التعاون الثنائي بين المغرب وبلجيكا (2024-2029)، أطلقت المملكة، بدعم من الوكالة البلجيكية للتنمية (ENABEL)، دراسة هيكلية طموحة تهدف إلى إعادة مواءمة عرض التكوين المهني مع الاحتياجات الحقيقية والمستقبلية لسوق الشغل بالمنطقة.
التقرير الذي بنى عليه المشروع تشخيصه الأولي، يرسم صورة دقيقة للاقتصاد الجهوي؛ حيث يهيمن القطاع “الثالث” (الخدمات والتجارة) على المشهد بنسبة تتجاوز 76% من الوظائف الدائمة، موزعة بين التجارة (54%) والخدمات (30%). وفي المقابل، لا يزال القطاع الصناعي (11.3%) وقطاع البناء (4.7%) يمثلان حصصا هامشية رغم قدرتهما العالية على استيعاب الكفاءات التقنية.
هذا الاختلال البنيوي ترافق مع تمدد “القطاع غير المهيكل” الذي يمتص جزءا كبيرا من اليد العاملة، لا سيما النساء والشباب، مما يخلق احتياجات خاصة لمهارات تقنية ومقاولاتية لا تغطيها المناهج الكلاسيكية الحالية.
من النقاط المثيرة للاهتمام في هذه الدراسة، هي أن سوق الشغل بجهة الشرق لم يعد يبحث عن “التقني المحض” بقدر ما يبحث عن “الكفاءات العرضانية”. فإتقان الأدوات المكتبية، تدبير علاقة الزبناء، والعمل الجماعي، تصدرت قائمة المهارات المطلوبة في قطاعات السياحة والتجارة، وهي مهارات ما زالت تفتقر للدمج الكافي في منظومة التكوين الحالية، مما يعمق الفجوة بين الخريج والمقاولة.
خارطة طريق لخمس سنوات: استهداف الـ “NEET” والوظائف الخضراء
المشروع الجديد لن يكتفي بالتشخيص، بل يسعى لإنتاج “خارطة توقعية” لعرض التكوين في أفق السنوات الخمس المقبلة. وتركز هذه الرؤية على فئات خاصة، أبرزها الشباب من فئة “NEET” (الشباب الذين ليسوا في التعليم ولا العمل ولا التكوين)، مع إدماج مقاربة النوع الاجتماعي لضمان ولوج عادل للنساء والشرائح الهشة.
كما تضع الدراسة “الرقمنة” و”المهن الخضراء” كأولوية قصوى، لاستباق التحولات الهيكلية التي سيشهدها النسيج الاقتصادي الجهوي، بما يتوافق مع مخطط التنمية الجهوية والسياسات الوطنية للتشغيل.
إن الرهان الحقيقي لهذه الشراكة المغربية البلجيكية يتجاوز البعد التقني؛ فهو يطمح إلى إحداث تغيير في “النموذج الذهبي” للتكوين المهني بجهة الشرق، عبر تحويله من مجرد “آلية اجتماعية” لامتصاص البطالة إلى “رافعة ترابية” للتنمية. والهدف الأسمى هو خلق تناغم دائم بين استثمارات الدولة، وتطلعات المقاولات، وكفاءات شباب المنطقة، لضمان تحويل جهة الشرق إلى قطب اقتصادي قادر على النمو المستدام.


