الأكثر مشاهدة

فوسفاط بوكراع لا يمثل سوى 2% من الاحتياطي المغربي.. والأرقام تفضح أسطورة “الصحراء الغنية”

تعود حملات التضليل حول الصحراء المغربية إلى الواجهة بين حين وآخر، مستندة إلى خطاب سياسي يقدم معلومات غير دقيقة حول ثروات المنطقة، خصوصا الفوسفاط بمنجم بوكراع. وفي خضم هذا الضجيج الذي يغفل الأرقام والمعطيات العلمية، يصبح لزاما العودة إلى الوقائع كما هي على الأرض، بعيدا عن السرديات الدعائية.

فخلافا لما تروجه بعض المنابر الأجنبية، تشير الدراسات وفقا لتقرير “ميديا24” إلى أن إنتاج الفوسفاط بالمغرب يرتكز أساسا في الوسط، داخل مثلث يربط بين الدار البيضاء ومراكش والصويرة. هذه المنطقة وحدها تستحوذ على 98% من الاحتياطي الوطني، بينما لا يمثل منجم بوكراع في الصحراء سوى 2% فقط من مجموع الاحتياطيات. وفي سنة 2024، بلغت إنتاجية بوكراع حوالي 1,5 مليون طن من أصل 45 مليون طن ينتجها المغرب، أي ما يقارب 3% فقط من الإنتاج الوطني.

ورغم هذا الحجم المحدود، يظل بوكراع في قلب الحملات المعادية للمغرب، التي تتعمد تجاهل الظروف الصعبة التي تواجه الاستغلال المنجمي في قلب الصحراء: حرارة مرتفعة، رياح قوية، أعطاب متكررة في الآليات، وطبقة واحدة فقط قابلة للاستغلال مقارنة بتعدد الطبقات في مناجم الوسط. كلها عوامل تجعل الإنتاج هناك ذا طبيعة اجتماعية أكثر منه مادة للربح السريع.

- Ad -

فوجود مجموعة المكتب الشريف للفوسفات في المنطقة ليس موجها لتعظيم الأرباح، بل يندرج ضمن رؤية تنموية واضحة. الشركة توفر اليوم ما يفوق 2200 منصب شغل مباشر، 79% منها لأبناء المنطقة، إضافة إلى شبكات واسعة من المقاولات المحلية التي تعمل ضمن سلسلة القيمة. كما تمكنت المجموعة من تعبئة 2 مليار درهم عبر صندوق الإيداع والتدبير لتمويل مشروع صناعي ولوجستي ضخم يعزز موقع الأقاليم الجنوبية كقطب اقتصادي صاعد.

وبعيدا عن الفوسفاط، لا تضم المنطقة سوى أنشطة منجمية ذات طابع محدود، مثل استغلال الملح من طرف عائلات صحراوية منذ قرون، إلى جانب بعض المقالع التي لا تشكل سوى 3% من مجموع المقالع الوطنية.

أما الادعاءات المتعلقة بوجود حقول نفطية أو مناجم ذهب أو احتياطيات جاهزة للاستغلال، فغير صحيحة. ما يوجد فعليا هو مؤشرات جيولوجية تحتاج استثمارات ضخمة في الاستكشاف، ولم تثبت جدواها الاقتصادية بعد. وحتى اليوم، لم تسفر مشاريع التنقيب عن النتائج التي تتيح فتح مناجم جديدة في الداخلة و وادي الذهب.

السلطات المغربية، بدورها، لا تسعى إلى امتلاك المشاريع المنجمية، بل تلعب دور المنظم فقط، تاركة الاستغلال لشركات خاصة، مع ضمان احترام شروط السلامة والبيئة، وفق ما تؤكده تقارير دولية تصنف المغرب ضمن أفضل البلدان في التشريعات المنجمية.

في المحصلة، ومع اقتراب تنزيل النموذج الجديد للحكم الذاتي، تبرز حقيقة ضرورية: الثروات المنجمية بالصحراء موجودة ولكنها محدودة، والاستغلال الفعلي يظل اجتماعيا وتنمويا قبل أن يكون اقتصاديا. وما يتم الترويج له عن “صحراء غنية” أو “استنزاف للموارد” لا يستند إلى الوقائع، بل إلى خطاب سياسي يسعى لتشويه الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية منذ عقود.

هذه الحقائق، المعتمدة على الأرقام والمعطيات الرسمية، تكشف أن التنمية في الصحراء ليست رهينة موارد خيالية، بل قائمة على رؤية استراتيجية وحرص على خلق فضاءات اقتصادية مستدامة تعود بالنفع على السكان والجهة ككل.

مقالات ذات صلة