بين أزقة “درب ميلا” العريقة بالدار البيضاء، تتكرر المشاهد ذاتها مع إشراقة كل رمضان؛ أكياس متراصة، أصول جغرافية متنوعة، وزبائن يدققون في الجودة والمنشأ. هنا، تمتزج رائحة الواحات المغربية بتمور قادمة من الإمارات، الأردن، تونس، الجزائر، مصر، وصولا إلى العراق، لترسم لوحة تجارية تتأرجح فيها الأثمان بين “المتداول” و”الفاخر”، في سوق تظل فيه التمور الأجنبية مألوفة لكن بصبغة تنافسية واضحة.
تسيطر التمور العراقية والمصرية على الشريحة “الاقتصادية” بأسعار تبدأ من 25 درهما للكيلوغرام، تليها التمور السعودية والإماراتية التي تتمركز في منطقة وسطى. أما في قطاع “البريميوم”، فتنفرد تمور “العجوة” السعودية بأسعار تتراوح ما بين 180 و220 درهما، بينما يبرز “المجهول” الأردني كمنافس شرس لنظيره المغربي في الفئات الرفيعة، وسط تباين واضح في الجودة وطريقة التقديم (بالغصن أو بدونه) التي تحسم القرار النهائي للمستهلك.
المنتج المحلي.. السيادة لـ “المجهول”
رغم غزو التمور المستوردة، يظل المنتج المغربي “ابن الواحة” محتفظا بقاعدة صلبة من الوفاء الشعبي. ويؤكد تجار “درب ميلا” أن الغالبية الساحقة من المغاربة يفضلون المنتج المحلي لثقتهم في جودته وارتباطهم الوجداني به، حيث يظل “المجهول” المغربي هو المرجع والتاج فوق رؤوس الموائد، بأسعار تتفاوت من 60 درهما للأحجام الصغيرة، لتتخطى 180 درهما للأحجام الملكية الفاخرة، مدعوما بموسم إنتاج بلغ نحو 160 ألف تن بفضل تحسن الظروف المناخية.
لا تزال الأسعار تعيش توازنا دقيقا؛ فرغم وفرة المحصول الوطني، إلا أن التكاليف الهيكلية المتعلقة بالإنتاج، التلفيف، والنقل تحول دون انخفاض الأسعار بشكل كبير. وفي هذا السياق، تواصل السلطات نهج سياسة “الضبط الاستراتيجي” عبر تأطير الاستيراد، من خلال تعليق التراخيص مؤقتا في فترات الجني، لتفادي إغراق السوق وحماية المزارعين المحليين، وضمان استقرار العرض في هذه الفترة الحيوية.
في نهاية المطاف، يبقى جيب المواطن هو الحكم؛ فالسوق يوفر خيارات تناسب الجميع، من “البحث عن الجودة” إلى “البحث عن السعر الأنسب” (ما بين 20 و40 درهما). وبعيدا عن الأرقام، تظل التمرة أكثر من مجرد سلعة؛ فهي تقليد نبوي أصيل وفائدة غذائية لا تضاهى، إذ توفر السكر الطبيعي والمعادن الضرورية كالبوتاسيوم لتعويض تعب الصيام، مما يجعلها ركيزة “الإفطار الصحي” التي لا تكتمل المائدة المغربية بدونها.


