في واحدة من أكثر قضايا الاستغلال العمالي قتامة، نجحت عناصر الشرطة الوطنية بمدينة مليلية المحتلة، في وضع حد لـ”سخرة” دامت عقدا ونصف من الزمن، بطلها رجل أعمال ينشط في قطاع المخابز، وضحيتها مواطنان مغربيان وجدا نفسهما في قبضة استغلال وحشي يتجاوز حدود المنطق والقانون.
العملية التي قادتها وحدة مكافحة شبكات الهجرة والتزوير (UCRIF)، بتنسيق مع تفتيشية الشغل، لم تكن مجرد مداهمة عادية لضبط العمل غير المصرح به؛ بل كانت “عملية تحرير” لضحايا الاتجار بالبشر. حيث كشفت التحقيقات أن أحد العاملين المغربيين ظل يرزح تحت وطأة الاستغلال لمدة 16 سنة كاملة، فيما قضى زميله 7 سنوات في نفس الظروف، دون عقود عمل، ولا تغطية صحية، ولا كرامة إنسانية.
يوميات الجحيم: 11 ساعة مقابل “فتات”
بأجر “مهين” يتراوح بين 400 و500 يورو شهريا، كان الضحيتان يواجهان يوميا وتيرة عمل عسكرية تبدأ من الرابعة صباحا وتستمر حتى ما بعد الثالثة زوالا. لم يكن هناك مفهوم لـ”عطلة نهاية الأسبوع” أو “الأعياد”؛ بل عمل متواصل طيلة أيام السنة، وتحت طائلة التهديد بوضعيتهما القانونية الهشة كمهاجرين غير نظاميين.
الجانب الأكثر مأساوية في تقرير الشرطة، هو الظروف السكنية لأحد الضحايا، الذي كان يقطن داخل مقر العمل في مسكن “بدائي” يفتقر لأدنى المقومات؛ فلا حمام، ولا مطبخ، ولا خصوصية. بل كان يضطر للنوم وسط درجات حرارة خانقة تنبعث من الأفران الصناعية والمداخن، في مشهد يعيد للأذهان عصور العبودية الغابرة. والأدهى من ذلك، أن الإصابات التي كان يتعرض لها العمال أثناء الشغل، كانا يضطران لعلاجها من مالهما الخاص لغياب أي تأمين صحي.
وأمام هذه المعطيات الصادمة، تم الاعتراف رسميا بالمغربيين كـ “ضحايا للاتجار بالبشر”، مع تفعيل بروتوكول الحماية والمساعدة الشاملة بالتعاون مع منظمة غير حكومية بمليلية. في المقابل، مثل رجل الأعمال أمام قاضي التحقيق، الذي أمر بسحب جواز سفره ومنعه من السفر كإجراء احترازي، مع إحالة الملف على النيابة العامة المختصة في قضايا الاتجار بالبشر.
تأتي هذه الضربة الأمنية لتؤكد أن السلطات بمليلية بدأت تضيق الخناق على “الاقتصاد الأسود” الذي يتغذى على معاناة المهاجرين، مشددة على أن حقوق الإنسان فوق كل اعتبار تجاري، وأن زمن “الاستعباد” خلف واجهة المخابز والمحلات التجارية قد ولى بلا رجعة.


