لم يعد الحديث عن “شيخوخة المجتمع” في المغرب مجرد توقعات ديمغرافية، بل أضحى واقعا “صادما” كشفت عنه الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عقب إحصاء 2024. فالمملكة تعيش اليوم مسارا بنيويا عميقا يعيد تشكيل هرم السكان، واضعا السياسات العمومية أمام تحديات اجتماعية وصحية واقتصادية “حارقة”.
أرقام تتضاعف.. زحف “الشيب” على الهرم السكاني
تظهر معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى أن عدد الأشخاص المسنين بالمغرب بلغ، إلى حدود فاتح شتنبر 2024، حوالي 5.027 ملايين شخص، مقابل 3.1 ملايين فقط في سنة 2014. هذا يعني أن هذه الفئة تضاعفت بأكثر من مرتين خلال عشرين سنة فقط، مع تسجيل تسارع لافت في العقد الأخير بنسبة نمو بلغت 58.7%.
وفي مفارقة ديمغرافية مثيرة، يتفوق عدد النساء المسنات (2.576 ملايين) على الرجال، بفعل ارتفاع أمد الحياة لديهن، مما يطرح تساؤلات جدية حول نوعية الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية الموجهة للمرأة المسنة في المغرب.
انهيار الخصوبة.. عهد “العائلات الكبيرة” ولى!
تفسر المندوبية هذا التحول بدخول المغرب مرحلة متقدمة من “الانتقال الديمغرافي”، حيث هوى معدل الخصوبة من 7.2 أطفال لكل امرأة سنة 1962 إلى 1.97 طفل فقط في سنة 2024. هذا الرقم يضع المغرب رسميا تحت عتبة “تعويض الأجيال” (المحددة في 2.1)، خاصة في المدن التي سجلت معدلا منخفضا جدا (1.8 طفل لكل امرأة).
هذا التراجع الحاد يعزى إلى عدة عوامل “بنيوية”، أبرزها تأخر سن الزواج؛ حيث انتقل متوسط سن الزواج الأول لدى النساء من 17.5 سنة إلى 24.6 سنة، ولدى الرجال من 24 سنة إلى 32.4 سنة، علاوة على تزايد العزوبة واتساع التمدن.
الضغط الاقتصادي.. من سيعيل من؟
الأرقام تدق ناقوس الخطر بخصوص “مؤشر الإعالة”؛ فقد ارتفع الضغط الاقتصادي الذي تمثله فئة المسنين على السكان في سن العمل من 13.1% سنة 2004 إلى 22.8% سنة 2024. في المقابل، تراجعت نسبة السكان في سن النشاط (15-59 سنة) لأول مرة منذ الستينيات، لتستقر في حدود 59.7%.
إن وتيرة نمو فئة المسنين بالمغرب (4.73% سنويا) باتت تفوق بكثير نمو مجموع السكان (0.83%). هذا التباين يضع الدولة أمام ضرورة استعجالية لتكييف منظومات التقاعد، وتوسيع التغطية الصحية، وإعادة هندسة السياسات العمومية لتستجيب لمتطلبات مجتمع بدأ شعره يغزوه الشيب، بينما تتقلص فيه قاعدة الشباب يوما بعد يوم.


