في الوقت الذي يرفع فيه والي بنك المغرب، السيد عبد اللطيف الجواهري، “ناقوس الخطر” بشأن الارتفاع المهول في تداول “الكاش” (النقود الورقية) وتكلفته الباهظة على الاقتصاد الوطني، تصطدم جهود رقمنة المعاملات المالية بواقع مرير داخل أروقة الوكالات البنكية، حيث تحول فعل “سحب المال الخاص” إلى رحلة شاقة محفوفة بالتماطل والأسئلة الاستنطاقية التي تضرب “مرونة” الخدمات في مقتل.
وتجسد واقعة “مواطنة” مغربية قصدت إحدى الوكالات لسحب مبلغ لا يتجاوز 50 ألف درهم (5 ملايين سنتيم)، عمق الخلل في المنظومة؛ فبدل أن تتم المعاملة في غضون 10 دقائق، وجدت الزبونة نفسها تحت مجهر “البحث والاستقصاء” والتماطل غير المبرر، لتضيع ساعات من وقتها الثمين في محاولة لاسترداد “حقها المالي” الذي ائتمنت عليه البنك.
إن ما تعرضت له هذه المواطنة ليس حالة معزولة، بل هو “ظاهرة” باتت تثير استياء عارما. فالبنوك التي تهرول لاستقطاب الودائع، تتحول إلى “قلاع حصينة” عند الرغبة في السحب، متذرعة بإجراءات بيروقراطية تتجاوز في كثير من الأحيان مقتضيات القانون. هذا “التضييق” غير المبرر على سيولة المواطنين هو الذي يدفعهم قسرا للاحتفاظ بأموالهم “خارج الصناديق”، مما يغذي ظاهرة الكاش التي يحاربها بنك المغرب.
مفارقة الجواهري: كيف نثق في بنك يمنعنا من أموالنا؟
لا يمكن الحديث عن “إصلاح مكمن الخلل” في الاقتصاد الوطني دون إلزام المؤسسات البنكية بالاحترافية والسرعة. فالثقة هي العملة الحقيقية في القطاع المالي؛ وحين يشعر المواطن أن التصرف في ماله الخاص يتطلب “إذنا” أو “تفسيرا” أو “انتظارا” لساعات، فإن رد الفعل الطبيعي سيكون هو العزوف عن إيداع الأموال أصلا.
إن محاربة “الكاش” لا تبدأ بالخطابات، بل بفرض “المرونة” على الأبناك. فمن غير المعقول أن يطالبنا النظام البنكي بالرقمنة، بينما يمارس “الوصاية” على أموالنا عند الحاجة إليها. الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع حد لغطرسة بعض الوكالات التي تتناسى أنها “مقدمة خدمة” وليست “سلطة تحقيق”، وأن سرعة تنفيذ عمليات السحب هي المعيار الحقيقي للاحترافية.


