بعد عام كامل في عزلته القسرية داخل سجون الجزائر، خرج الروائي بوعلام صنصال ليكسر الصمت الذي فرض عليه طيلة شهور طويلة، وليكشف تفاصيل صادمة عن ظروف سجنه والضغوط التي مورست عليه في الأيام الأخيرة قبل الإفراج عنه، في عملية حملت بصمة وساطة ألمانية هادئة وفعّالة.
صنصال، الذي قال إنه عاش في “عزلة تامة” داخل جناح شديد الحراسة، أكد أنه منع من القراءة والكتابة، ولم يسمح له سوى بكتب دينية أو نصوص قصيرة بالعربية، في بيئة رقابية خانقة تعاقب فيها المعرفة باعتبارها تهديدا سياسيا. وقد وصف تلك الفترة بأنها “سنة بلا ورق ولا قلم”، سنة تكثفت فيها المراقبة إلى درجة منع أي كتاب أجنبي أو عمل فلسفي، كما تؤكد شهادات سابقة عن النظام السجني الجزائري.
ولم يكن ما عاشه مقتصرا على الحرمان الثقافي، إذ كشف أن نقله بين السجون والمستشفى في الأيام الأخيرة لم يكن بريئا، بل جاء وسط مؤشرات شعر خلالها بأن قضيته أصبحت خارج الحدود. تغير في سلوك الحراس، تعديل في الزيارات، وحركة مفاجئة نحو مستشفى مصطفى بالعاصمة، قبل أن يوضع تحت صيغة “مريض تحت الحراسة”، وهي خطوة تستخدم عادة تمهيدا للإفرجات ذات الطابع السياسي.
أكثر اللحظات دلالة كانت حين زاره “زائر ليلي” في المستشفى، ملوحا له بصفقة صامتة: حرية مقابل تخفيف صوته. لكن رد الروائي كان قاطعا:
“من الأفضل أن تبقوني عشرين سنة أخرى… إذا لم يكن لي الحق في الكلام، فما الذي أفعله على هذه الأرض؟”
جملة تختصر مسار رجل لم يبدل جلده رغم محاولات الإخضاع.
وحين هبط في برلين، بدا صوته – كما وصفه صديقه الكاتب كمال داوود – وكأنه يخرج “من تحت الرماد”: نبرة طفولية خفيفة، ضحكة متقطعة، لكن إرادة لم تطلها السنوات ولا الزنازين. أول ما قاله:
“مرحبا يا فرنسا… بوعلام يعود، سننتصر”.
لم تكن مجرد تحية، بل إعلان موقف سياسي، ورسالة إلى من تابعوه وإلى العواصم التي تنازعت حول إطلاق سراحه.
ملفه تحول فعلا إلى ورقة دبلوماسية معقدة بين الجزائر وباريس وبرلين. ففي زمن تتسم فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية بتوترات متواصلة منذ 2022، كانت ألمانيا تقود مفاوضات هادئة شارك فيها نواب وشخصيات حقوقية، وهو ما يفسر مسار الإفراج الذي بدا وكأنه تتويج لسلسلة طويلة من الوساطات.
سياق اعتقاله نفسه لم يكن معزولا، بل امتدادا لموجة توقيفات طالت صحافيين وكتابا ومدونين في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وسط تقارير دولية تتحدث عن تراجع هامش الحريات منذ 2019. لكن حالة صنصال اكتسبت زخما خاصا بفضل مكانته الأدبية وعلاقاته الواسعة في المشهد الثقافي الفرنسي.
واليوم، من برلين، يبدو الرجل كمن يستعيد خيط حياته ببطء، وهو ينتظر زوجته نزيهة القادمة من الجزائر. ضحكته الهشة ما تزال نفسها، وصوته لم يخفت رغم عام كامل من محاولة إسكات ممنهجة. يستعد لزيارة باريس “غدا أو بعد يومين”، ليعود إلى فضائه الطبيعي: الأدب، والنقد، والجدل.
جملته الشهيرة لحظة وصوله لم تكن فقط بوابة عودته إلى الحرية، بل إعلان انتصار لرجل لم يتراجع، وإشارة إلى أن الكتاب الذي سيكتبه لاحقا قد يكون الشهادة الكاملة على عام لم يكن مجرد اعتقال… بل محاولة لإطفاء صوت لم ينطفئ.


