في رأي غير مسبوق، فجر مجلس المنافسة معطيات صادمة حول اختلالات عميقة تضرب قطاع المطاحن وسوق القمح بالمغرب، مؤكدا وجود فوارق صارخة في توزيع الدعم العمومي المخصص للقمح اللين، وتركز مقلق للفاعلين داخل سلسلة إنتاج تعتبر حجر الزاوية في الأمن الغذائي الوطني.
9.3 مليارات درهم للوسطاء… والمنتج المحلي آخر المستفيدين
يشدد التقرير على أن الدعم الحكومي، الذي يفترض حماية الإنتاج الوطني وضمان أسعار مستقرة للمستهلك، يسلك مسارا معاكسا تماما. ففي سنة 2022 وحدها، حصل المستوردون على أكثر من 9.3 مليارات درهم من صندوق المقاصة، فيما نالت المطاحن والمنتجات المحلية حصصاً أقل بكثير، ما يطرح سؤالا محرجا: هل يخدم الدعم من يستحقه فعلا؟
ويكشف الرأي أن بعض الشركات تستغل منظومة الدعم لبيع منتجات بأسعار منخفضة بشكل “مصطنع”، بهدف إقصاء المنافسين وتعزيز الهيمنة، وهي ممارسات تهدد مبدأ “الحياد التنافسي” المعتمد دوليا.
التحقيق الذي أنجزه المجلس على مدى أشهر أظهر اتجاها واضحا نحو التركز الاحتكاري، خاصة في سوق القمح الصلب، حيث تتحكم خمس مجموعات كبرى في أكثر من 53% من السوق، في مقدمتها:
- أفريكا فيد أند فود (18.60%)
- فورافريك (13.73%)
هذا التركز لا يقتصر على الشركات فقط، بل يمتد إلى المجال الجغرافي. فجهة الدار البيضاء–سطات تنشط فيها وحدات تعمل في ظروف “مريحة”، مقابل جهات مثل العيون–الساقية الحمراء وبني ملال–خنيفرة التي تعيش فائضا غير مستغل في الطاقة الإنتاجية، ما يجعل المنافسة غير متوازنة وطنيا.
فائض إنتاج ضخم… وضعف الابتكار
يمتلك المغرب طاقة طحن تتجاوز حاجياته بكثير، وهو فائض ارتفع خلال العقدين الماضيين بشكل هدد المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تجد نفسها أمام منافسة غير عادلة مع مجموعات قوية تملك إمكانيات تقنية ومالية كبيرة.
ورغم هذا الفائض، لا تزال أغلب المطاحن تنتج دقيقا تقليديا دون تنويع أو استثمار في البحث والتطوير، ما يجعل الابتكار شبه غائب داخل القطاع.
منذ الثمانينيات، ركزت السياسات الفلاحية على ضمان الأمن الغذائي، لكن التحولات المناخية والاقتصادية كشفت هشاشة هذه الاستراتيجية. فقد أدى ضعف التنسيق بين المؤسسات والفاعلين إلى جعل المغرب تابعا للأسواق الدولية، خصوصا أثناء أزمتي الأسعار في 2007 و2022.
كما أشار التقرير إلى ضعف التخزين الوطني وسوء الحكامة داخل سلسلة الحبوب، ما جعل السوق عرضة لتقلبات الأسعار والندرة.
توصيات عاجلة: إصلاح الدعم وهيكلة السوق
اقترح مجلس المنافسة مجموعة من الإصلاحات الجذرية، أبرزها:
- توجيه الدعم نحو المنتجين المحليين بدل الوسطاء.
- رقمنة نظام الدعم لمحاصرة الريع.
- إعادة هيكلة سوق المطاحن عبر ملاءمة الرخص مع حاجيات السوق.
- تحفيز الاندماجات بين الوحدات الصغيرة.
- تنويع المنتجات والاستثمار في البحث والتطوير.
- تعزيز المنافسة الجهوية وتطوير البنيات اللوجستية عبر مختلف الجهات.
يكشف هذا الرأي الشامل واقعا غير مطمئن: دعم منحرف المسار، هيمنة مجموعات قوية، ضعف ابتكار، واعتماد خطير على الاستيراد. وهو ما يجعل إصلاح هذا القطاع ضرورة وطنية ملحّة، لضمان استقرار أسعار الدقيق والخبز، وحماية الأمن الغذائي لأكثر من 36 مليون مغربي.
هل ستتفاعل الحكومة مع هذه التوصيات أم سيبقى الدعم موجها لمن لا يحتاجه؟
سؤال مفتوح… وتداعياته تمس كل بيت مغربي.


