الأكثر مشاهدة

منجم “غار جبيلات”: هل تضحي الجزائر باقتصادها من أجل مشروع “غير مجد” تجاريا؟

أثار إعلان الجزائر العودة إلى استغلال منجم “غار جبيلات” بضواحي تندوف موجة من التساؤلات التقنية حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية لواحد من أكثر المشاريع التعدينية تعقيدا في القارة الإفريقية. فبينما تحاول الآلة الإعلامية للجارة الشرقية تقديمه كـ”عملاق نائم”، تكشف المعطيات الهندسية واللوجيستية عن “ثقب أسود” قد يستنزف ميزانية الدولة دون تحقيق عائدات تجارية ملموسة.

عقدة “الفوسفور” والتكلفة المزدوجة

تقنيا، يواجه حديد غار جبيلات معضلة كيميائية مستعصية؛ فبالرغم من ضخامة الاحتياطي، إلا أن نسبة الفوسفور تتجاوز 0.8%، وهي نسبة تجعل الخام “غير صالح” لصناعة الصلب عالية الجودة إلا بعد عمليات معالجة حرارية وكيميائية معقدة ومكلفة جدا.

وبالمقارنة مع مناجم “الزويرات” في موريتانيا، نجد أن الحديد الموريتاني يتمتع بنقاء طبيعي (خام DSO) يجعله مطلوبا عالميا وبأقل تكاليف المعالجة، مما يضع المنتج الجزائري في موقف ضعف تنافسي منذ اللحظة الأولى لاستخراجه.

- Ad -

المسافة.. انتحار لوجيستي في قلب الصحراء

وإلى جانب المعضلة الكيميائية، تبرز “إشكالية المسافة” كعائق لوجيستي لا يمكن إغفاله. فبينما تنقل موريتانيا حديدها عبر قطار لمسافة 700 كيلومتر فقط نحو ميناء نواذيبو، يتطلب مشروع غار جبيلات شق سكة حديدية بطول يتجاوز 1500 كيلومتر للوصول إلى موانئ المتوسط.

هذا الفارق الشاسع يعني تضاعف تكاليف النقل والصيانة في بيئة صحراوية قاسية، مما يجعل “سعر التكلفة” للطن الواحد من حديد تندوف يتجاوز الأسعار المتداولة في السوق العالمية التي تسيطر عليها أستراليا والبرازيل.

أزمة المياه.. عطش التعدين

ولا تتوقف التحديات عند النقل، بل تمتد لـ”الأمن المائي”؛ فمعالجة الحديد وتركيزه تتطلب كميات ضخمة من المياه، وهو مورد نادر جدا في منطقة تندوف. استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة من أجل منجم “مرتفع التكلفة” يضع الجزائر أمام مأزق بيئي واقتصادي، حيث ستجد الدولة نفسها مضطرة لضخ استثمارات هائلة في محطات التحلية أو نقل المياه، وهو ما يزيد من إرهاق الميزانية العامة.

إن القراءة المتأنية في الأرقام والوقائع التقنية تؤكد أن مشروع “غار جبيلات” يفتقد للجدوى التجارية في ظل المعطيات الحالية، خاصة مع وجود منافسين إقليميين (مثل موريتانيا) ودوليين يقدمون منتجا أنقى وأرخص.

ويبدو أن إصرار صانع القرار في الجزائر على المضي قدما في هذا “النزيف المالي” ليس مدفوعا بحسابات الربح والخسارة، بل بغايات جيوسياسية محضة، تهدف أساسا إلى محاولة خلق “واقع اقتصادي” وهمي في منطقة حدودية حساسة نكاية في المصالح الاستراتيجية للمغرب وتوازنات المنطقة، ولو كان ذلك على حساب استقرار الميزانية ومستقبل الأجيال.

مقالات ذات صلة