بينما تنشغل الجيوش المحترمة بتطوير الصواريخ الفرط صوتية وتقنيات الحروب السيبرانية، يبدو أن عبقرية “عسكر الجوار” قد تفتقت عن سلاح استراتيجي جديد لم تسبقهم إليه “ناسا” ولا “البنتاغون”: إنه “الجير الأبيض”! نعم، لا تتعجبوا، ففي عقيدة الجيش الذي صنعته فرنسا على مقاس أحلامها، تحول صبغ أحجار متهالكة داخل حدودهم إلى “ملحمة كبرى” تستحق آلاف المنشورات وصيحات “الله أكبر” الافتراضية.
أوهام “إيش” وعقدة النقص
اجتاحت صفحات التواصل الاجتماعي الجزائرية نوبة من الهذيان الجماعي، تزعم “احتلال” منطقة “إيش” المغربية بإقليم فكيك. والحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، وتراقبها أعين صقور القوات المسلحة الملكية بكثير من “الشفقة”، هي أن عناصر الجيش الجزائري لم يتجاوزوا حدودهم بسنتيمتر واحد، بل قضوا ليلتهم في ممارسة هواية “الرسم على الحجر” بالجير، في مشهد يذكرنا ببرامج الأطفال في المخيمات الصيفية، قبل أن يلوذوا بالفرار لبيع “الوهم” لشعب يقتات على الإشاعات هربا من طوابير “السميد” و”الحليب”.
هذا الاحتفاء الهستيري بـ”صبغ حجر” ليس عبثا، بل هو تنفيس عن “عقدة أزلية”. فمنذ أن خرج هذا الجيش من عباءة الإدارة الاستعمارية، لم يسجل في تاريخه القصير أي نصر عسكري يذكر. لقد خاضوا حربين فقط، وكلاهما كانا أمام “الأستاذ” المغربي؛ ففي 1963 بـ”حرب الرمال” ذاقوا طعم الهزيمة المرة، وفي 1976 بـ”أمغالا” سقطوا في قبضة الأسر المغربي بـ”سراويلهم الداخلية”. ومنذ ذلك الحين، ولأن المواجهة المباشرة مع “الأسود” تعني الانتحار، اكتفى هؤلاء بـ”التنمر” على الأحجار والأتربة.
إنه مشهد بائس لمجتمع غارق في أزماته الاجتماعية، يجد في “الانتصارات الوهمية” مخدرات موضعية لتناسي واقع الانغلاق السياسي. إن “غزوة الجير” في فكيك هي قمة الهوان؛ فأن تعتبر صباغة صخرة “إنجازا عسكريا” يعني أنك بلغت من الإفلاس ما يجعل “الصبغة” في نظرك “فتقا للمقدس”. أما حماة الوطن في القوات المسلحة الملكية، فيراقبون هذا المسرح الهزلي ببرود “المنتصر” الذي لا تزعجه حركات “الدهانين” الهواة.


