في تحول دراماتيكي يعكس تهاوي استراتيجية “المواقف المتصلبة” أمام واقعية موازين القوى الدولية، تستضيف العاصمة الإسبانية مدريد، اليوم الأحد، جولة مفاوضات حاسمة حول ملف الصحراء المغربية. ويأتي هذا الاجتماع، الذي يعقد في سرية تامة بمقر السفارة الأمريكية، ليعلن رسميا رضوخ النظام الجزائري للضغوط المكثفة التي مارستها واشنطن ومجلس الأمن الدولي، منهيا بذلك سنوات من الرفض القاطع للمشاركة في أي موائد مستديرة.
وتكتسي محادثات مدريد طابعا استثنائيا، ليس فقط من حيث التوقيت، بل من حيث الرعاية المباشرة لممثلي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ حيث يقود المسار كل من مسعد بولس، الممثل الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا، ومايكل والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. ويشارك في هذه الجولة وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إلى جانب ممثل جبهة “البوليساريو”، وبحضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا.
تراجع “مذل” عن سياسة الرفض
ويرى مراقبون أن جلوس الجزائر إلى طاولة المفاوضات يمثل “تراجعا مذلا” لنظام صال وجال لسنوات مدعيا أنه مجرد “طرف مراقب”، ورافضا صيغة جنيف لعامي 2018 و2019. إلا أن الحزم الأمريكي، الذي تبلور في لقاءات سرية بـ واشنطن قبل أسبوعين، لم يترك للجزائر خيارا سوى الانصياع لمقتضيات القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي يكرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد وواقعي للحل الدائم.
ولم تكن هذه العودة الجزائرية عفوية؛ فقد سبقتها تحركات دبلوماسية دقيقة، شملت استقبال الجزائر للمبعوث مسعد بولس في 27 يناير الماضي، بعد جولة من الاتصالات الصارمة في واشنطن. وتؤكد المصادر أن الرسالة الأمريكية كانت واضحة ولا تقبل التأويل: “مخطط الحكم الذاتي المغربي هو الإطار الوحيد للتسوية”. وبمشاركتها اليوم، تلتزم الجزائر فعليا بمضمون القرار 2797، وتتخلى عن استراتيجية “الإنكار الرسمي” التي حاولت من خلالها التنصل من مسؤوليتها كطرف أصيل في هذا النزاع الإقليمي.
في المقابل، يدخل المغرب هذه المفاوضات من موقع قوة، مستندا إلى دعم دولي متزايد لسيادته ومبادرة الحكم الذاتي التي يعكف حاليا على تدقيق تفاصيلها التقنية. وتثبت هذه التطورات أن الدبلوماسية المغربية، القائمة على الحس السليم والفعالية، نجحت في محاصرة “الدبلوماسية الاستعراضية” للجارة الشرقية، التي اعتادت تبني مواقف متشددة قبل أن تنصاع للضغوط في نهاية المطاف، في سمة باتت ثابتة في أسلوبها السياسي.


