يبدو أن كرة القدم في قارتنا السمراء لم تعد تكتفي بـ”تكتيكات” المدربين وعرق اللاعبين، بل انتقلت لتدار بعقلية “الدجالين” الذين أقنعوا البعض بأن قطعة قماش خلف المرمى قد تمنع كرة من دخول الشباك، أو أن “الزئبق الأحمر” هو الترياق السحري لمن استعصى عليه التهديف. ما شهده المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، خلال مواجهة الوداد وعزام التنزاني، لم يكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كان فصلا سرياليا من فصول “البارانويا” الجماعية التي باتت تنهش عقلية بعض الجماهير والفرق.
في مشهد يدعو للضحك والشفقة في آن واحد، توقفت المباراة لعدة دقائق احتجاجا على “سحب منشفة” حارس مرمى عزام، “سالوم مانولا”. لاعبون وطاقم تقني انتفضوا وكأن السيادة الوطنية قد اخترقت، مهددين بالانسحاب لولا استعادة “المنشفة المباركة”.
هذه الواقعة التي أعادت للأذهان دراما نهائي “كان 2025” بين المغرب والسنغال، تؤكد أننا بصدد عدوى نفسية عابرة للقارات، حيث يظن الفريق أن ضياع “التميمة” يعني سقوط الحصون، متناسين أن من يحمي العرين هو القفاز والتركيز، لا العقد والتمائم.
لو كان السحر يسجل أهدافا
إنه لمن المثير للسخرية أن نرى بعض الجماهير المغربية تنجر خلف هذا الوهم، متأثرة بممارسات نراها لدى منتخبات وفرق عربية وأفريقية، على غرار “فوبيا السحر” التي ترافق مباريات الأهلي المصري أو طقوس بعض المنتخبات التي تعتقد أن بخورا هنا أو حجابا هناك سيهديها الكأس. والمنطق هنا يطرح سؤالا “كافرا” بالخرافة: لو كان السحر والزئبق الأحمر يؤثران فعلا في المستطيل الأخضر، فلماذا لم تحجز مصر مكانا دائما في المربع الذهبي للمونديال؟ ولماذا لم نر منتخبا أفريقيا من المشهورين بـ”الدجل الكروي” يرفع كأس العالم؟.
إن الحقيقة المرة التي يجب أن تدركها الجماهير هي أن السحر الحقيقي الوحيد هو “سحر الأقدام” والعمل القاعدي. أما الغرق في مستنقع الخرافات، والبحث عن الأعذار الميتافيزيقية للهزيمة، فهو مجرد “تنويم مغناطيسي” للعقول الفاشلة. الوداد فاز بالثنائية لأنه ضغط واستحوذ وسجل، لا لأن جامع كرات سحب منشفة من مرمى الخصم. لقد آن الأوان لنطرد “الشعوذة” من رؤوسنا قبل أن نطالب بطردها من ملاعبنا، فكرة القدم لعبة حسابات مادية، وليست جلسة لاستحضار الأرواح.


