بين أزقة حي “الرسترو” النابضة بالحياة وشوارع “الريال” الأنيقة في مدينة مليلية المحتلة، لا تخطئ العين مشهدا استثنائيا يتجاوز حدود الموضة العابرة؛ إنه مشهد أزياء مغربية عريقة تجسد تقاطع التاريخ بالهوية. هنا، لا تعد الملابس مجرد أقمشة للعرض، بل هي لغة بصرية تحكي قصص الجذور والارتباط الوثيق بالثقافة المغربية الأصيلة.
تبدأ الرحلة مع “الجلابة”، القطعة الأكثر حضورا في يوميات سكان مليلية. هذا الرداء الطويل بـ”قبه” الشهير، الذي يعود تاريخه إلى عهد المرابطين والموحدين، يمثل التكيف الأمثل مع مناخ شمال إفريقيا. بينما يميل الرجال إلى الألوان الحيادية كالرمادي والبني، تتحول جلابة المرأة في مليلية إلى لوحة فنية بألوان الزمرد والأزرق الملكي والوردي، معلنة عن أناقة فطرية لا تحتاج إلى تكلف.
وإذا كانت الجلابة لباس اليومي، فإن “القفطان” هو ملك الاحتفالات بلا منازع. تعود جذوره إلى عمق التاريخ المريني والسعدي، متأثرا بفنون التطريز القادمة من الحواضر العريقة مثل فاس وتطوان. وفي حفلات الزفاف بمليلية، يبرز القفطان المرصع بالخرز والمطرز بخيوط الذهب كبطل للعرض، حيث تعبر كل “غرزة” فيه عن مكانة اجتماعية وإرث حرفي ضارب في القدم.
أما “التكشيطة”، بقطعتيها وحزامها “المضمة”، فقد أصبحت الخيار المفضل للشابات في مليلية؛ فهي تمزج بين وقار التقليد وحداثة القصات، مستخدمة أقمشة خفيفة ولمسات عصرية تقول للعالم: “نحن جزء من جذورنا ومن روح العصر في آن واحد”.
للرجل أيضا نصيبه من الأناقة في “الجابادور”؛ هذا الزي المكون من قطعتين (قميص وسروال) يمثل الذروة في التأنق خلال الأعياد والمناسبات الدينية. بقطنه الرفيع وتطريزاته الهادئة على الياقة، يمنح الجابادور لرجال مليلية مظهرا يجمع بين الراحة والجاذبية التقليدية، خاصة عند تنسيقه مع “البلغة” المغربية الأصيلة.
إن ارتداء هذه الأزياء في مليلية ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو فعل فخر واعتزاز. فخلف كل قطعة قماش، يكمن فعل تذكر، وإيماءة وفاء للتراث، وطريقة صامتة للقول: “هذا نحن، وهذه هي هويتنا التي لا تغيب”.


