يتكرر المشهد في كل محطة إقليمية أو دولية حساسة: تصعيد حاد، لغة سيادية مرتفعة السقف، استدعاء سفراء وتجميد اتفاقيات، ثم عودة هادئة إلى طاولة الحوار تحت عنوان “البراغماتية”. بين الأمس مع إسبانيا، واليوم مع فرنسا والنيجر، وغدا مع مالي، تتكشف ملامح تحوّل في مقاربة الجزائر لملفاتها الخارجية، من دبلوماسية الحزم المعلن إلى دبلوماسية المقايضات الواقعية.
المنعطف الأبرز تجلى في الأزمة مع فرنسا عقب إعلان باريس دعم سيادة المغرب على الصحراء. القرار الذي أبلغ به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في باري يوم 14 يونيو 2024، اعتُبر في الجزائر تجاوزا للخطوط الحمراء.
الرواية التي نقلها شمس الدين حفيظ، عميد مسجد باريس الكبير، في وثائقي بثته قناة فرانس 2، أبرزت حدة الموقف الجزائري آنذاك، حيث سحبت الجزائر سفيرها في باريس، وجمدت التعاون في ملفات متعددة، ورفعت سقف الخطاب السياسي والإعلامي.
لكن بعد أزيد من 18 شهرا، عادت القنوات الدبلوماسية إلى العمل. نوقشت ملفات الأمن والهجرة والعودة القسرية بشكل مباشر، فيما تراجع حضور ملف الصحراء في الخطاب الرسمي المتبادل. زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير شكلت مؤشرا على استعادة التنسيق، خاصة في مجالي الأمن واستقبال المرحّلين.
عمليا، لم تغير باريس موقفها من الصحراء، بينما انتقلت الجزائر من خطاب القطيعة إلى إدارة الخلاف ضمن قنوات تفاوضية، ما يعكس تحولا في ميزان القوة التفاوضي.
سابقة إسبانيا… التصعيد ثم العودة
المشهد ذاته تكرر مع مدريد حين أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي. استدعاء السفير، تجميد معاهدة الصداقة، وإجراءات اقتصادية تصعيدية، قبل أن تعود العلاقات التجارية والدبلوماسية تدريجيا إلى طبيعتها.
هذه الحلقات المتتالية ترسم نمطا واضحا: رد فعل حاد يهدف إلى إظهار الحزم، يعقبه تراجع عملي وإعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط المصالح الاقتصادية والأمنية.
الساحل… من منطق النفوذ إلى منطق التمويل
في منطقة الساحل، تبدو التحولات أكثر عمقا. بعد أزمة حادة مع النيجر في أعقاب تغيير النظام في نيامي في يوليوز 2023، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ودول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، عادت الاتصالات بشكل لافت.
في 12 فبراير استأنفت الجزائر والنيجر علاقاتهما بعودة السفيرين، ثم استقبل الرئيس الجزائري نظيره النيجري الجنرال عبد الرحمن تياني يوم 16 فبراير. الزيارة حملت حزمة التزامات مالية واقتصادية لا تقل عن 50 مليون أورو لتمويل مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية في نيامي وزيندر وأغاديس، إلى جانب وعود بتطوير حقل فاكارا النفطي واستكمال الطريق العابر للصحراء.
كما عاد إلى الواجهة مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورا بالنيجر، مع التزام جزائري بتمويل الجزء الرابط بين النيجر ونيجيريا.
المعادلة هنا مختلفة: لم تعد الجزائر تكتفي بالخطاب السياسي أو بالوساطة الأمنية، بل انتقلت إلى منطق الاستثمار والتمويل المباشر لإعادة تثبيت حضورها في منطقة تشهد تنافسا متصاعدا.
مالي… أزمة أعمق من مجرد خلاف دبلوماسي
مع مالي، تبدو الأزمة أكثر تعقيدا، خاصة في ما يتعلق بإدارة ملف الجماعات المسلحة في شمال البلاد وتطبيق اتفاق الجزائر. باماكو انتقدت ما اعتبرته انحيازا في الوساطة الجزائرية، ووسعت شراكاتها الأمنية والسياسية خارج دائرة النفوذ التقليدي للجزائر.
أي تقارب محتمل مستقبلا لن يكون ماليا فقط، بل سيستدعي مراجعة أعمق للعقيدة الإقليمية الجزائرية، وتوضيح موقعها من التحولات الأمنية في الساحل.
بين الخطاب والواقع
ما تكشفه هذه المحطات المتتالية هو انتقال تدريجي من دبلوماسية الصدمة إلى دبلوماسية التكيّف. استدعاء السفراء وقطع العلاقات يحقق أثرا إعلاميا فوريا، لكنه لا يضمن نتائج استراتيجية دائمة في بيئة دولية متعددة الأقطاب، حيث يرتبط النفوذ بالثبات والقدرة على ترجمة المواقف إلى سياسات مستدامة.
في ملف الصحراء، انتقل ثقل المبادرة الدبلوماسية إلى المغرب، بينما وجدت الجزائر نفسها مضطرة لإدارة خلافاتها ضمن مسارات تفاوضية قائمة. في الساحل، يتراجع النفوذ التقليدي لصالح مقاربات قائمة على الشراكات الاقتصادية والأمنية المتعددة. وفي أوروبا، تفرض ملفات الطاقة والهجرة واقعا تفاوضيا يحد من هامش المناورة.


