مع إشراقة شمس كل يوم من أيام رمضان، يكتسي الشارع المغربي حلة من الوقار الروحي، لكن خلف الأبواب المغلقة وفي الزوايا الهادئة، ثمة تفاصيل إنسانية متنوعة لمواطنين اختاروا، لأسبابهم الخاصة، ألا يسيروا على نهج الصيام التقليدي. هي قصص تعكس في طياتها تحولات مجتمعية، وتطرح سؤال التسامح والحريات في مجتمع يتأرجح بين الحفاظ على هويته الجماعية وبين تقديس الاختيارات الفردية.
“صيام الماء”.. حين تصبح التغذية فلسفة
في ركن هادئ بعيد عن صخب الشوارع، التقت “آنفا نيوز” بـ “عمر”، وهو شاب ثلاثيني يمثل نموذجا لجيل جديد يرى في الصيام فلسفة صحية أكثر منها طقسا تعبديا. يبتسم عمر وهو يرتشف جرعة ماء، قائلا: “أنا لا أفطر بمعنى التمرد، بل أتبع ما يسميه البعض ‘الصيام المائي’. أؤمن بأن الامتناع عن الأكل مفيد جدا للجسم لتطهير السموم، شريطة الحفاظ على ري الجسد بالماء باستمرار”. بالنسبة لعمر، الماء هو شريان الحياة الذي لا يفسد “روحانية” الامتناع عن الأكل، بل يجعل الصيام تجربة واعية ومستدامة.
تتعدد طرق التعامل مع الإفطار بتعدد الظروف العائلية. “سارة”، طالبة جامعية، تحكي لـ “آنفا نيوز” عن رحلتها اليومية في تناول وجبات خفيفة “خفية” عن أعين أهلها، ليس خوفا من العقاب بقدر ما هو “رغبة في عدم جرح مشاعرهم”، حسب تعبيرها.
وفي المقابل، نجد من اختار طريق “المكاشفة”؛ فهناك شباب صارحوا عائلاتهم بقرار الإفطار، ووجدوا في حضن الأسرة نوعا من التفهم الذي يسمح لهم بتناول الطعام أمام ذويهم دون حرج، بل إن هناك عائلات بأكملها اختارت برغبتها ألا تصوم، مفضلة قضاء يومها بنسق طبيعي داخل جدران البيت، مع الحفاظ على صلة الرحم في وجبة “الفطور” الجماعية عند الغروب، كطقس اجتماعي يجمع الشمل.
“أماكن خاصة”.. الاحترام كقاعدة ذهبية
القاعدة الذهبية التي استقتها “آنفا نيوز” من معظم الذين تحدثت معهم، هي الإيمان العميق بـ “قدسية الفضاء العام”. فالمفطرون المغاربة، في غالبيتهم الساحقة، يحرصون على تناول طعامهم في أماكن خاصة وبعيدا عن الأعين، تأكيدا منهم على احترام مشاعر الصائمين المحافظين. هذا السلوك يعكس رغبة حقيقية في ترسيخ قيم “العيش المشترك”، حيث لا يشعر الصائم بالاستفزاز، ولا يشعر المفطر بالاضطهاد.
وعلى ضفة أخرى، ترتفع أصوات تطالب بجعل الإفطار “حقا علنيا”. يرى هؤلاء أن تناول الطعام والشراب هو “حق طبيعي وفطري” للإنسان لا يجب أن يخضع للمراقبة الأمنية أو القانونية. بالنسبة لهم، فإن سجن مواطن بسبب وجبة طعام هو أمر “يتجاوز المنطق الإنساني”، داعين إلى مراجعة القوانين التي تجرم الإفطار العلني، معتبرين أن “الدولة لا يجب أن تتدخل في علاقة الفرد بربه أو بجسده”.
ويبقى الجدل حول الإفطار في رمضان بالمغرب تعبيرا عن “حركية مجتمعية” تتجه نحو مزيد من الانفتاح، حيث يبقى الرهان دائما على ذكاء المغاربة في تدبير اختلافاتهم، وتغليب كفة التسامح والمودة على لغة المنع والصدام، ليظل رمضان شهرا للرحمة بامتياز، تشمل الصائم والمفطر على حد سواء.


