يبدو أن “البوصلة” لدى بعض المكونات الجمعوية في المغرب لم تعد تفرق بين القدس الشريف وحي “باستور” في طهران، حيث أطلت علينا “مجموعة العمل اللاوطنية من أجل فلسطين” ببلاغ يفيض بـ”النضال العابر للحدود”، داعية المغاربة إلى وقفة احتجاجية أمام البرلمان بالرباط، يوم السبت 28 فبراير 2026، لا لنصرة قضية وطنية أو اجتماعية، بل “تنديدا بالعدوان” على الجمهورية الإيرانية.
في مشهد يجسد قمة “الاستلاب الإيديولوجي”، أقحمت المجموعة مآسي غزة الجريحة ومعاناة المسجد الأقصى في سياق الدفاع عن سيادة “طهران”. وكأن دماء الفلسطينيين لم تعد تكفي لتكون قضية بحد ذاتها، بل وجب “تبييضها” وخلطها بحسابات القوى الإقليمية وأجندات “المحور المقاوم”، في محاولة مكشوفة لجر الشارع المغربي إلى معارك لا ناقة له فيها ولا جمل، وخدمة لمصالح قوى خارجية لا ترى في فلسطين إلا “ورقة ضغط” فوق طاولات التفاوض.
البلاغ الذي تحدث بلغة “الغطرسة” و”الاستعمار الجديد” و”وحدة الأمة” التي أمدت البوليساريو بالصواريخ لقصف السمارة وضرب المغرب، يبدو وكأنه كتب خلف مكاتب بعيدة عن واقع المغاربة وانشغالاتهم الحقيقية. ففي الوقت الذي تتعرض فيه سيادة دول عربية لاعتداءات صاروخية إيرانية، تختار هذه “القوى الحية” المزعومة الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ، معتبرة أن “استباحة طهران” هي وجه آخر لمعركة غزة، في خلط عجيب للأوراق يضرب عرض الحائط بكل مفاهيم العقل والسيادة الوطنية.
إن الدعوة للتظاهر أمام البرلمان في وقت متأخر من الليل، وتحت شعارات “محور المقاومة”، تضع هؤلاء “الخدام” في موقف حرج أمام الرأي العام المغربي الذي بات يعي جيدا من يتاجر بالقضية الفلسطينية ومن يخدم الأجندات الإقليمية التوسعية.
فبينما يلتزم المغرب الرسمي بمواقف رصينة تدافع عن السلم ودعم حلفاءه، يصر هؤلاء “المستلبون” على أن يكونوا “صوتا لغيرهم”، محاولين استغلال عواطف المغاربة تجاه فلسطين لتمرير رسائل سياسية مغلفة بالقداسة وموجهة، بالأساس، لمن يدفع ثمن “الولاءات الإيديولوجية” العابرة للقارات.


