على ارتفاع مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، حيث تدور آلاف الأقمار الصناعية التي تؤمن الاتصالات والملاحة والبيانات، يخطط مهندسون أوروبيون لإطلاق جيل جديد من “مركبات الإصلاح” القادرة على صيانة المعدات الفضائية وإصلاحها بل وحتى تزويدها بالوقود في المدار.
حتى اليوم، تبقى خيارات مشغلي الأقمار الصناعية محدودة للغاية عندما ينفد الوقود، أو تتضرر الألواح الشمسية، أو تظهر أعطال تقنية تعطل عمل القمر الصناعي. بعض المشكلات البرمجية يمكن إصلاحها من الأرض، وبعض أعطال الأجهزة يمكن التحايل عليها، لكن في الغالب، عندما يحتاج القمر الصناعي إلى صيانة فعلية، لا توجد خدمة يمكن استدعاؤها.
نتيجة لذلك، ينتهي الأمر بعدد كبير من الأقمار الصناعية القديمة في ما يُعرف بـ“مدارات المقابر”، أو تبقى تائهة خارجة عن السيطرة، ما يشكل خطراً على باقي المعدات الفضائية ويزيد من الحطام المداري.
مناورات روبوتية لالتقاط الأقمار “غير المتعاونة”
أمام هذا الواقع، تعمل شركات أوروبية على تطوير آليات روبوتية قادرة على إطالة عمر الأقمار الصناعية أو نقلها بعيداً عن المدارات الاستراتيجية. في هذا السياق، تقود شركة تاليس ألينيا سبيس مشروع “إيروس” (EROSS)، وهو اختصار لـ“خدمات الدعم المداري الروبوتية الأوروبية”، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وتسعى المهمة إلى إطلاق قمر صناعي أوروبي صغير مزود بذراع روبوتية في أفق 2028، ليلتقي بقمر صناعي مستهدف، ويُجري فحصاً حوله، ثم يبرهن على قدرته على التقاطه وتزويده بالوقود. كما يجري تطوير موصلات عالمية تُشبه في فكرتها منافذ USB لتسهيل تجميع المكونات في الفضاء.
التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع أقمار لم تُصمم أصلاً للصيانة. إذ إن معظم الأقمار الحالية بُنيت لتعمل بشكل مستقل حتى نهاية عمرها التشغيلي. ومع وجود نحو 15 ألف قمر صناعي عامل وآلاف أخرى متوقفة، باتت الحاجة إلى حلول صيانة مدارية أكثر إلحاحاً.
خدمات نقل وتزود بالوقود.. سوق قيد التشكل
إلى جانب تاليس، تبرز شركة ExoTrail الفرنسية، التي أطلقت عام 2023 جهازاً على متن صاروخ تابع لشركة سبيس إكس، يقوم بنقل أقمار صناعية صغيرة إلى مدارات دقيقة، أشبه بخدمة توصيل فضائية.
وتستعد الشركة لتطوير قدرات أكثر تقدماً تشمل الالتقاء والالتحام، والتفتيش، وإطالة العمر التشغيلي، والتزود بالوقود، بل وحتى تنفيذ إصلاحات في المدار. كما أعلنت شراكة مع شركة Astroscale اليابانية لعرض تقنية إزالة الأقمار الصناعية من مداراتها بدقة بحلول عام 2030.
وفي السياق ذاته، وقّعت الشركة السويسرية الناشئة ClearSpace عقداً مع وكالة الفضاء الأوروبية لتنفيذ أول مهمة تجارية لإزالة الحطام الفضائي النشط سنة 2027. كما تسعى شركة D-Orbit الإيطالية إلى ترسيخ مفهوم “الاقتصاد الفضائي الدائري”، عبر إعادة توظيف الحطام كمورد مستقبلي.
عقبات قانونية ومخاطر تصادم
رغم التقدم التقني، يظل الإطار القانوني غير مكتمل. ففي حال وقوع تصادم أثناء عملية صيانة، يطرح سؤال المسؤولية: من يتحمل العواقب؟ وأي قانون يُطبّق إذا التحمت مركبة خدمة أوروبية بقمر صناعي تابع لدولة أخرى؟ هذه الأسئلة تدفع عدداً من الدول الأوروبية واليابان إلى العمل على أطر قانونية جديدة، من بينها مشروع قانون فضاء أوروبي مرتقب.
كما أن حجم السوق لا يزال غير محسوم. فالشركات مطالبة بإثبات قدرتها التقنية قبل أن يتشكل طلب تجاري واضح، في معادلة توصف بـ“مشكلة البيضة والدجاجة”.
المدار الثابت.. أولوية اقتصادية ودفاعية
يبرز المدار الثابت بالنسبة للأرض، على ارتفاع يفوق 35 ألف كيلومتر، كسوق أولي محتمل لهذه الخدمات، إذ تمتلك شركات الاتصالات أساطيل قديمة قد تفضل صيانتها بدل استبدالها. ومع تصاعد أهمية الأقمار في المدار الأرضي المنخفض، أصبحت خدمات تمديد العمر في المدار الثابت ذات قيمة اقتصادية أكبر.
كما تكتسي هذه التقنيات أهمية دفاعية واضحة، إذ تتيح فحص الأقمار والاقتراب منها والتحكم بها، ما يجعلها تقنيات ذات استخدام مزدوج.
“رحلة طويلة” نحو 2030
رغم الطموحات، تعترف الشركات بأن الطريق لا يزال طويلاً. فقد ألغت ناسا مهمة OSAM-1 سنة 2024 بعد ارتفاع التكاليف وغياب سوق تجارية واضحة. في المقابل، تعمل مركبات تمديد المهمة التابعة لشركة نورثروب غرومان منذ 2020 على إطالة عمر أقمار صناعية في المدار الثابت.
المؤشرات الحالية توحي بأن أفق 2030 قد يشهد وضوحاً أكبر في هذا القطاع. وبين الطموح والواقعية، تتبنى الشركات الأوروبية نهجاً تدريجياً، مدركة أن التقاط قمر صناعي غير متعاون يدور خارج السيطرة لا يزال أقرب إلى مشاهد السينما منه إلى العمليات اليومية.


