في خضم الاضطرابات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، تتجه أنظار المحللين وصناع القرار نحو خطوات القوى الكبرى، ومدى انعكاسها على اقتصادات مستوردة للطاقة مثل المغرب.
وفي هذا الإطار، قدم الدكتور المهدي قيل، الأستاذ المحاضر في الاقتصاد والتدبير، قراءة تحليلية لقرار الإدارة الأمريكية سحب كميات من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، مؤكدا أن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها من زاوية اقتصادية بحتة، بل تجمع بين متطلبات السياسة وإكراهات الاقتصاد.
وأوضح الدكتور قيل أن الهدف المباشر هو تهدئة أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، لا سيما البنزين، وتوجيه رسالة طمأنة للأسواق حول قدرة الدولة الفيدرالية على التدخل في اللحظات الحرجة، بالتوازي مع تحرك دولي منسق تحت مظلة وكالة الطاقة الدولية لضمان استقرار الإمدادات.
وحول وضعية سوق النفط العالمية، أشار الخبير إلى حالة “تذبذب حاد” شهدتها الأسعار خلال الأسبوعين الأخيرين، مع قفزات يومية مفاجئة تعكس حساسية مفرطة تجاه أي مستجد سياسي أو أمني أو شائعات عن المخزونات. وبلغ سعر خام “برنت” 100.03 دولار للبرميل صباح يوم 12 مارس 2026، بينما ارتفع خام “غرب تكساس” الوسيط إلى 95.25 دولاراً، بعد سلسلة من التقلبات الكبيرة التي شهدها السوق.
الاحتياطي النفطي الاستراتيجي: سلاح الحماية في أوقات الأزمات
عرف الدكتور قيل الاحتياطي النفطي الاستراتيجي بأنه كميات ضخمة من النفط الخام أو المكرر تحتفظ بها الدول كصمام أمان في أوقات الأزمات الكبرى، مثل اندلاع الحروب أو تعطل الممرات البحرية أو الكوارث الطبيعية. ووفق المعايير الدولية، يجب أن تغطي هذه المخزونات 90 يوماً على الأقل من صافي الواردات، في حين يمتلك المغرب تقديرات تشير إلى مخزون أقل من 30 يوماً، مما يضعف مناعة الاقتصاد الوطني أمام الهزات الخارجية.
وحذر الخبير من الانزلاق وراء بعض الأصوات الداعية إلى العودة إلى نظام المقاصة أو إعادة تشغيل مصفاة “سامير” المعطلة، مبررا أن هذه الخيارات مكلفة ومقيدة بالتقلبات العالمية، ما قد يخلق “فاتورة مفتوحة” على المالية العمومية.
بدائل مبتكرة لإدارة صدمات الأسعار
واقترح الدكتور قيل حزمة بدائل عملية، منها توسيع البنية التخزينية الوطنية لتجاوز عتبة الثلاثين يوما، وتحسين الحوكمة لضمان منافسة شفافة في سوق المحروقات. على المستوى المالي، ركز على آلية “الضريبة المرنة”، التي تسمح بتخفيض محدود ومؤقت للضرائب المفروضة على المحروقات خلال أزمات الأسعار، ما يمتص الصدمات بشكل مباشر دون إرهاق ميزانية الدولة.


