دخل قطاع نقل المرضى والجرحى بمدينة الدار البيضاء منعطفا حاسما، عقب إفراج الجماعة عن دفتر التحملات الجديد الخاص بالتدبير المفوض لهذا المرفق الحيوي. وتأتي هذه الخطوة الطموحة لإرساء نموذج تنظيمي جديد يقطع مع “العشوائية” التي طبعت المجال لسنوات، مكرسا مبادئ التنافسية والشفافية وضمان سلامة المرتفقين.
ويستند هذا الإصلاح الهيكلي إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يمنح المجالس الترابية صلاحيات واسعة لتدبير المرافق العمومية. ولا يقتصر التوجه الجديد على إعادة توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، بل يهدف بالأساس إلى ضبط سوق ظل يعاني من غياب معايير موحدة، لاسيما في الشق المتعلق بجودة الخدمات والتسعيرة المطبقة.
“غربلة” القطاع: 30 فاعلا فقط
وفي إجراء يهدف إلى عقلنة العرض، حدد دفتر التحملات سقفا أقصى لعدد الشركات المستغلة في ثلاثين فاعلا فقط، سيتم اختيارهم بناء على معايير تنافسية دقيقة. وأعطت الجماعة الأولوية للشركات التي تتخذ من الدار البيضاء مقرا اجتماعيا لها، أو تلك التي تراكم خبرة مهنية سابقة في التعامل مع المرفق العام، في إشارة واضحة لدعم المقاولات المحلية ذات الكفاءة المجربة.
كما فرضت الوثيقة شروطاً تقنية وبشرية صارمة؛ حيث بات لزاماً على الشركات توفير موارد بشرية مؤهلة تضم ممرضين متمرسين في الإسعافات الأولية، إلى جانب تجهيزات طبية حديثة داخل سيارات الإسعاف، لضمان تدخلات ناجعة في الحالات الاستعجالية الحرجة.
تسعيرة موحدة.. والوداع لـ”الابتزاز”
ولحماية المواطنين من الشطط، أقر دفتر التحملات تسعيرة موحدة داخل المجال الحضري للبيضاء، حيث سقف سعر نقل المرضى في حدود 500 درهم كحد أقصى في أغلب الحالات، مع اعتماد نظام تسعيرة تدريجية بالكيلومتر للمسافات خارج المدينة. ويهدف هذا الإجراء الجريء إلى قطع الطريق أمام الممارسات غير المنظمة التي كانت تستنزف جيوب الأسر في لحظات الضعف الإنساني.
نظام عقوبات ولجنة مختلطة للمراقبة
ولضمان التنزيل الأمثل لهذه القواعد، تم إقرار نظام صارم للغرامات في حق الشركات المخلة بالتزاماتها، مع إحداث لجنة مختلطة للمراقبة تضم ممثلين عن الجماعة والسلطات الصحية والأمنية، للسهر على احترام بنود التعاقد. كما تضع الجماعة كافة التفاصيل التقنية رهن إشارة العموم والمهنيين عبر الموقع الرسمي لوزارة الصحة.
ويعكس هذا التحول النوعي رغبة أكيدة لدى مدبري الشأن المحلي بالدار البيضاء في تفعيل دور الجماعة كجهة مؤطرة ومراقبة، تضمن توازنا عادلا بين المصلحة الاقتصادية للشركات وبين الحق الدستوري للمواطن في خدمة إسعافية تليق بكرامته.


