في مشهد درامي يختصر مسافة التراجع من “العنترية” إلى “البراغماتية الاضطرارية”، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أمس الخميس، وزير الشؤون الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس. اللقاء لم يكن مجرد بروتوكول عابر، بل كان “شهادة وفاة” لسياسة الابتزاز التي نهجها قصر المرادية ضد مدريد منذ عام 2022، وإعلانا رسميا عن إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار التي جمدت في لحظة غضب لم تحسب عواقبها.
يبدو أن صناع القرار في الجزائر أدركوا – متأخرين كالعادة – أن مدريد ليست حلقة ضعيفة يمكن كسرها بورقة الغاز. فبعد مرحلة من التوتر الحاد على خلفية دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، عادت الجزائر لترفع الراية البيضاء، مكتشفة أن كلفة القطيعة مع “الماتادور” الإسباني تجاوزت عوائد “النطح” الدبلوماسي بكثير.
طوابير “التخدير” والهروب نحو الرباط
ويرى محللون أن هذه العودة لم تكن اختيارا بل انتحارا تم تداركه في اللحظات الأخيرة؛ فبينما كانت الجزائر تغلق أبوابها، كان المغرب يبرم شراكات استراتيجية جعلت الشركات الإسبانية تنقل ثقلها نحو السوق المغربية الجذابة. ولعل أكثر المشاهد سخرية في هذه الأزمة هو وصول التخبط الجزائري إلى حد العجز عن توفير مستلزمات “التخدير الطبي” المستوردة من إسبانيا، ليجد الأطباء الجزائريون أنفسهم في طوابير انتظار مهينة، بينما كانت الدبلوماسية الرسمية تغرد خارج سرب الواقع.
ولغة الأرقام كانت أقسى من التصريحات؛ فالمقارنة بين ناتج محلي إسباني يتجاوز 2200 مليار دولار ونظيره الجزائري الذي لا يتعدى 267 مليار دولار بعد نفخه بأرقام مزورة، جعلت من فكرة “الندية” التي يروج لها الإعلام الرسمي مجرد نكتة سمجة في أروقة المنتظم الدولي. لقد أثبتت التطورات أن بروكسل والاتحاد الأوروبي لا يقبلان الابتزاز الطاقي، مما وضع السلطة الجزائرية أمام خيارين: إما الإذعان للأمر الواقع أو مواجهة تحكيم دولي لا يرحم.
إن إعادة تفعيل المعاهدة اليوم ليست نصرا دبلوماسيا كما يحاول البعض تصويره، بل هي محاولة بائسة لترميم ما تبقى من ماء الوجه بعد فشل ذريع في زحزحة الموقف الإسباني الثابت من مغربية الصحراء. لقد انتقلت الجزائر من “دبلوماسية رد الفعل” إلى “دبلوماسية احتواء الخسائر”، معترفة ضمنيا بأن “عزل ملف الصحراء عن شبكة المصالح الدولية” هو ضرب من الخيال في عالم لا يعترف إلا باللغة البراغماتية، ليظل المغرب هو الرابح الأكبر في معادلة التوازنات الإقليمية.


