يواجه سوق الشغل بالمغرب في الآونة الأخيرة تحولات عميقة أثارت الكثير من الجدل وسط فئات الشباب العاطل، حيث طفت على السطح ظاهرة الاعتماد المتزايد على اليد العاملة الأجنبية، خاصة من دول جنوب الصحراء وتونس ومصر والجزائر، في قطاعات ومجالات كانت إلى عهد قريب حكرا على اليد العاملة الوطنية.
في جولة ميدانية لـ “آنفا نيوز” بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، يظهر جليا أن تواجد العمالة الأجنبية لم يعد يقتصر على المهن البسيطة، بل امتد ليشمل قطاعات حساسة وخدماتية. ففي إحدى المصحات الخاصة، يسجل تواجد ممرضين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بينما تستقبل وكالات لبيع السيارات الزبناء عبر وكلاء تجاريين من تونس. وفي أسواق “درب عمر” الشهيرة، بات حضور العمال الأفارقة في قطاع نقل وشحن البضائع مشهدا مألوفا، مما يعكس تمددا شمل مستويات مهنية متباينة.
مواطنون يطالبون بالأولوية والزجر
وفي تصريحات متفرقة لـ “آنفا نيوز”، أعرب عدد من الشباب المغاربة عن استيائهم من هذا الوضع، معتبرين أن الأولوية القصوى في التشغيل يجب أن تمنح للمواطن المغربي الذي يعاني من شبح البطالة. وطالب هؤلاء الشباب بضرورة فرض عقوبات زجرية ضد المشغلين الذين يفضلون العمالة الوافدة لخفض التكاليف، مشددين على أن توظيف الأجانب يجب أن يقتصر على حالات خاصة جدا تقدم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، بدلا من مزاحمة الشباب في مهن عادية لا تتطلب تخصصات نادرة.
ولا يتوقف الأمر عند المدن الكبرى، بل يمتد إلى العالم القروي؛ حيث كشفت معطيات حصلت عليها الجريدة عن تشغيل مئات المهاجرين في بعض الضيعات الفلاحية الكبرى، في وقت يعاني فيه شباب البوادي من انعدام الفرص. هذا التفضيل يرجعه متتبعون إلى رغبة بعض أرباب العمل في التهرب من الالتزامات القانونية، وتفضيل يد عاملة “أقل كلفة” وقبولا بظروف قاسية.
وانتقد المشاركون في هذا الاستطلاع “التهاون” في التعامل مع هذه الظاهرة، محذرين من تجاهل الأسباب الحقيقية التي تدفع الشاب المغربي أحيانا للعزوف عن بعض المهن. فبدلا من تحسين ظروف العمل وجعلها “آدمية” عبر توفير الحد الأدنى للأجور والتغطية الصحية والضمان الاجتماعي، يختار بعض المشغلين الهروب إلى العمالة الوافدة التي قد تقبل بظروف غير قانونية، مما يكرس الهشاشة في سوق الشغل ويغلق الأبواب أمام الكفاءات الوطنية الباحثة عن لقمة عيش كريمة.
إن معالجة هذه المعضلة تتطلب، حسب فاعلين جمعويين، رؤية مندمجة تزاوج بين الصرامة في تطبيق قوانين الشغل، وبين تحفيز المقاولة المغربية على الاستثمار في “العنصر البشري الوطني” باعتباره الرافعة الأساسية للتنمية المستدامة.


