تكشف نتائج البحث الوطني حول العائلة عن تحول لافت في نظرة المغاربة إلى الزواج، حيث لم يعد هذا الخيار بنفس الجاذبية التي كان يتمتع بها في السابق، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتغير أنماط العيش نحو مزيد من الاستقلالية والفردانية.
الأرقام الصادرة عن الدراسة تبرز هذا التحول بوضوح، إذ عبر أكثر من نصف العزاب (51.7%) عن عدم رغبتهم في الزواج، مقابل أقل من النصف يبدون استعدادا للارتباط، وهو مؤشر يعكس تراجعا ملموسا في الإقبال على هذه المؤسسة التقليدية.
هذا التراجع لا يتوزع بشكل متساو بين الجنسين، إذ تظهر النساء ميلا أكبر نحو الزواج مقارنة بالرجال، الذين يسجلون نسب رفض مرتفعة. ويبدو أن الضغوط الاقتصادية تلعب دورا حاسما في هذا التباين، خاصة لدى الفئة العمرية النشيطة، حيث تتحول كلفة الزواج ومتطلبات الحياة إلى عائق رئيسي أمام الإقدام عليه.
ورغم هذا العزوف النسبي، تظل فكرة تكوين أسرة وإنجاب الأطفال الدافع الأساسي للزواج لدى غالبية الراغبين فيه، خصوصا في الوسط القروي وداخل العائلات الممتدة، ما يعكس استمرار حضور القيم التقليدية، ولو بشكل متفاوت.
في المقابل، تتغير ملامح اختيار الشريك بشكل تدريجي، حيث لم يعد العامل التعليمي أو الجغرافي حاسما لدى الرجال، في حين تفضل النساء الارتباط بشريك يتمتع باستقرار اجتماعي واقتصادي أفضل. ومع ذلك، يبقى مبدأ التكافؤ الاجتماعي حاضرا بقوة في قرارات الزواج لدى الطرفين.
ومن بين أبرز المؤشرات التي رصدتها الدراسة أيضا، تأخر سن الزواج، إذ أصبح الارتباط يتم في مراحل عمرية متقدمة مقارنة بالسابق، وهو ما يعكس تغير الأولويات، سواء المرتبطة بالدراسة أو الاستقرار المهني.
كما سجلت الدراسة تراجعا في الزواج بين الأقارب، مقابل اتساع دائرة الاختيار، وهو ما يعكس انفتاحا اجتماعيا متزايدا، رغم استمرار دور الوساطة العائلية، خاصة في المناطق القروية، حيث لا تزال تلعب دورا مهما في إتمام الزيجات.
أما على مستوى أنماط العيش، فقد برز توجه متزايد نحو الاستقلال السكني بعد الزواج، في تحول يعكس رغبة الأجيال الجديدة في بناء حياة أكثر خصوصية، بعيدا عن نموذج العائلة الممتدة الذي كان سائدا لعقود.










