تشهد جهة الشرق خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدا لافتا في عدد حالات الانتحار، في مؤشر يثير القلق ويفتح نقاشا متجددا حول الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة، خاصة في ظل تواتر الحوادث في فترة زمنية وجيزة.
سلسلة حوادث في وقت قياسي
وفق معطيات متطابقة، تم تسجيل ثماني حالات انتحار ما بين أواخر فبراير ومنتصف أبريل، توزعت على عدد من أقاليم الجهة، من وجدة إلى إقليم الناظور وإقليم بركان وإقليم جرسيف وإقليم الدريوش، في وقائع متفرقة يجمعها الغموض وصعوبة تحديد دوافع واضحة لكل حالة.
أحدث هذه الحوادث سجل بمدينة وجدة، حيث عثر على رجل في الخمسينيات من عمره جثة داخل شقته، في ظروف وصفت بالغامضة، ما استدعى فتح تحقيق قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وقائع متتالية وأسئلة معلقة
تعود أولى الحالات إلى نهاية فبراير، حين تم العثور على سيدة مسنة جثة داخل منزلها بإقليم بركان، تلتها بيوم واحد حادثة لمهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء عثر عليه معلقاً بغابة قرب الناظور.
وتوالت بعد ذلك الحوادث بوتيرة متسارعة، شملت رجلاً متزوجاً وأباً لأربعة أطفال، وشابا في مقتبل العمر، إضافة إلى حالات أخرى سجلت في مناطق مختلفة، بينها قاسيطة وقنطرة “فيلاج الطوبة”، وكلها خلفت صدمة قوية في أوساط الساكنة.
تحقيقات مستمرة وغموض قائم
في جميع هذه الحالات، باشرت المصالح الأمنية تحقيقات ميدانية، مع نقل الجثامين إلى مستودعات الأموات قصد إخضاعها للتشريح الطبي، في محاولة لتحديد الأسباب الحقيقية للوفيات. غير أن غياب معطيات دقيقة حول الخلفيات الفردية لكل حالة يزيد من تعقيد فهم الظاهرة.
هذا التواتر يسلط الضوء على هشاشة بعض الفئات، سواء من الناحية الاقتصادية أو النفسية، ويعيد طرح إشكالية الولوج إلى خدمات الصحة النفسية، التي لا تزال محدودة في عدد من المناطق. كما يبرز الحاجة إلى تعزيز آليات المواكبة والدعم، خاصة للفئات المعرضة للهشاشة.
في ظل هذا الوضع، تبرز ضرورة اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين التوعية المجتمعية، وتعزيز خدمات الدعم النفسي، وتقوية دور المؤسسات المحلية والجمعيات في الرصد المبكر والتدخل.
ورغم أن التحقيقات الجارية ستحدد ملابسات كل حالة على حدة، إلا أن تكرار هذه الحوادث في فترة قصيرة يبعث برسالة واضحة: الظاهرة لم تعد معزولة، بل تتطلب تعبئة جماعية عاجلة للحد من انتشارها وحماية الأرواح.


