في الوقت الذي تشتد فيه موجة الصقيع التي تضرب جهة الدار البيضاء–سطات، تحول إقليم مديونة إلى “غرفة عمليات” إنسانية مفتوحة، تقودها المديرية الإقليمية للتعاون الوطني لحماية الفئات الهشة وعابري السبيل من أنياب البرد القارس، في تجربة اجتماعية باتت نموذجا يحتذى به قاريا ودوليا.
بخطى لا تعرف الكلل، تنفذ فرق ميدانية تابعة للتعاون الوطني خرجات ليلية منتظمة بمختلف جماعات الإقليم، لا تكتفي فقط برصد الأشخاص في وضعية تشرد، بل تمتد أياديها البيضاء لتشمل “حراس الليل” وأوراش البناء وعابري السبيل المتوجهين نحو الحاضرة الاقتصادية. وتتنوع هذه التدخلات بين التوجيه نحو مراكز الإيواء، أو توفير الدفء الفوري عبر توزيع الأغطية والأفرشة، لضمان كرامة من اضطرهم المسير للتوقف المؤقت بالمنطقة.
وفي قلب هذه الدينامية، تبرز مؤسسة “دار الخير” بتيط مليل كفاعل محوري يتجاوز دوره مجرد الإيواء التقليدي؛ فهذه المعلمة الاجتماعية التي تؤوي أزيد من 700 مستفيد، تحولت خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى مركز حياة متكامل. فلم يعد الأمر يقتصر على المأكل والمشرب، بل أصبحت تضم وحدة طبية متطورة، مكتبة، قاعات للعروض الفنية، ملاعب معشوشبة، وحتى مرافق إنتاجية ذاتية كالمخبزة والمصبنة، ما جعلها محط اهتمام وفود وزارية من إفريقيا وأوروبا.
هذه الطفرة النوعية لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة شراكة استراتيجية وميزانية سنوية تتجاوز 20 مليون درهم، بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ووزارة التضامن، وولاية وعمالة الإقليم، ومجالسها المنتخبة. ويخضع هذا “الورش الاجتماعي” لنظام حكامة صارم تحت إشراف مباشر من والي الجهة وعامل الإقليم، لضمان الشفافية والجودة في الخدمات التي يقدمها أزيد من 150 إطارا ومستخدما.
وأكدت مصادر من التعاون الوطني أن تظافر هذه الجهود جعل من ظاهرة التشرد بمديونة “محدودة للغاية”، بفضل نسيج مؤسساتي يستهدف بدقة المسنين، والأطفال، والنساء في وضعيات صعبة، مما يكرس الإقليم كواجهة مشرفة للمغرب في تدبير الملفات الاجتماعية ببعد إنساني وحضاري.


