تحت السطح الهادئ، يكمن خلل عميق في بنية سوق الشغل بالمغرب، هكذا يمكن تلخيص نتائج دراسة حديثة نشرت في المجلة الأمريكية AJEBI، والتي سلطت الضوء على واقع العمل غير المهيكل بالمملكة، كاشفة أرقاما مقلقة وأسبابا بنيوية تستدعي تحركا عاجلا.
وفق الدراسة، التي اعتمدت على بحث ميداني شمل 549 عاملا بمنطقتي تارودانت وأكادير ضمن جهة سوس ماسة، فإن 94.8% من العاملين في القطاع غير المهيكل لا يتوفرون على أي شهادة دراسية. هذا الغياب شبه التام للتكوين يجعلهم عرضة للاستغلال، ويحول دون ولوجهم إلى وظائف قارة تحفظ كرامتهم وتحميهم اجتماعيا.
تشير الباحثة إلهام نجاري، وهي إحدى معدات الدراسة، إلى أن ما يعرف بـ”مرونة سوق الشغل” أضحى السند الأكبر لانتشار العمل غير المهيكل. فبينما تتيح هذه المرونة للمقاولات التكيف السريع مع تقلبات السوق من خلال عقود هشة وساعات عمل غير ثابتة، فإنها، في المقابل، تجر آلاف العمال نحو هوامش الاقتصاد دون حماية قانونية أو تغطية اجتماعية.
شباب في مواجهة المجهول
من المعطيات المقلقة أيضا، أن الفئة الأكثر تضررا من هذا الوضع هم الشباب دون سن 28، حيث يمثلون أغلبية اليد العاملة غير المصرح بها. وبدون ضمانات أو آفاق مهنية واضحة، يتحول هؤلاء إلى وقود لاقتصاد هش، يعمق الفوارق الطبقية ويغذي الشعور بالإقصاء.
أما على مستوى الأجور،.. فتؤكد الدراسة أن العاملين بالقطاع غير المهيكل يتقاضون مبالغ تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور،.. في وقت يتجاوز فيه معدل الأجر في القطاع المهيكل 3030 درهما شهريا. هذه الهوة الواسعة لا تعكس فقط تفاوتا في الدخل،.. بل تكشف عن نظامين اقتصاديين متوازيين داخل بلد واحد، لا يتقاطعان إلا في معاناة الفئات الضعيفة.
أمام هذا الواقع، يدعو معدو الدراسة إلى ضرورة إيجاد توازن بين مرونة سوق العمل وحماية حقوق العاملين. فهم لا يطالبون بوقف المرونة، بل بتقنينها عبر تعزيز العقود القانونية، وتطوير الإطار التشريعي،.. وتشجيع انتقال تدريجي ومنظم من الاقتصاد غير المهيكل نحو الاقتصاد الرسمي.
وتخلص الدراسة إلى أن الحل لا يكمن فقط في معالجة العرض،.. بل أيضا في إصلاح شامل للسياسات العمومية في مجال الشغل، مع التركيز على التكوين المهني،.. وتبسيط مساطر التشغيل القانوني، وتشجيع المقاولات الصغيرة على الإدماج القانوني لعمالها،.. دون إرهاقها بضرائب تقتل روح المبادرة.