عند الحديث عن تسيير المدن المغربية، لا بد من التطرق إلى المنطق الذكوري الذي يهيمن على هذا الجانب من الحياة العامة. ومن بين مظاهر هذا النمط هي سيطرة ملاعب كرة القدم على المشاريع الترفيهية والرياضية، بينما تهمش احتياجات النساء والفتيات.
ملاعب كرة القدم: مساحة ذكورية بامتياز
لا شك أن بناء ملاعب القرب وإتاحتها للمواطنين خطوة إيجابية، فهي تمثل فضاءات للترفيه وممارسة الرياضة. لكن، ما يثير التساؤل هو التركيز شبه الكلي على ملاعب كرة القدم، بينما تفتقر المدن إلى مساحات ترفيهية ورياضية تناسب احتياجات النساء والفتيات.
وعلى الرغم من أن كرة القدم لم تعد حصرا للرجال، إذ باتت النساء والفتيات يمارسنها بشكل متزايد، إلا أن نسبة المشاركة النسائية في هذه الرياضة لا تزال متدنية جدا. مع تزايد وعي النساء بحقهن في المشاركة في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الرياضة، حان الوقت لإعادة التفكير في طريقة تخطيط وتنفيذ المشاريع الترفيهية والرياضية في المدن المغربية.
أين مشاريع الترفيه للنساء؟
يجب على صانعي القرار والمجتمع ككل أن يفكروا في توجيه جهودهم نحو توفير مشاريع ترفيهية ورياضية تستهدف الإناث. فمن غير المقبول أن تبقى النساء والفتيات محرومات من فرص الترفيه وممارسة الرياضة بسبب هيمنة المنطق الذكوري في تسيير المدن.
يمكن للجهات المسؤولة الاستفادة من تجارب ناجحة في بعض المدن في دول العالم، حيث تم إنشاء مراكز رياضية خاصة بالنساء، توفر مساحات آمنة ومناسبة لممارسة الرياضة والترفيه بمختلف أشكالها.
لذلك، من المهم أن نفكر في توجيه الجهود نحو توفير مشاريع ترفيهية ورياضية تستهدف الإناث. يمكن للجماعات المحلية، على سبيل المثال، تخصيص جزء من الملاعب لتنظيم دوريات كرة القدم للنساء والفتيات. كما يمكن تنظيم دوريات أخرى لرياضات أخرى مثل كرة السلة، الطائرة، التنس،.. وغيرها من الرياضات الأقل عنفا والأكثر جاذبية بالنسبة للإناث، لتشجيع المشاركة النسائية في الأنشطة الرياضية.
بالطبع، ينبغي عدم إغفال الثقافة المحافظة التي تميز العديد من الأسر المغربية عند التفكير في توفير فرص لممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية للنساء والفتيات. فالثقافة والتقاليد لها دور كبير في تحديد سلوكيات الأفراد واختياراتهم، ومن المهم أن تراعى هذه العوامل في تصميم السياسات والمبادرات الرياضية.
على سبيل المثال، حتى الفتيات والنساء الحداثيات قد يفضلن في بعض الأحيان ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية في بيئة غير مختلطة. لذا، يمكن توفير مساحات خاصة للنساء والفتيات حيث يمكنهن ممارسة الرياضة بحرية وبمرافق مناسبة تتيح لهن الاستمتاع بالنشاطات الرياضية دون مواجهة عوائق.
دعوة إلى تغيير المنطق الذكوري
وانطلاقا مما سبق، يجب على الجهات المعنية أن تضع في اعتبارها احتياجات واهتمامات كافة شرائح المجتمع،.. بما في ذلك الإناث، عند تخطيط وتنفيذ المشاريع العامة والرياضية. حان الوقت لكسر هيمنة المنطق الذكوري في تسيير المدن،.. وفتح المجال أمام النساء والفتيات للمشاركة في الأنشطة الرياضية والترفيهية على قدم المساواة مع الرجال.
بالطبع، يمكن أن نستمر في تطبيق المبادئ نفسها عند التفكير في توفير الفرص لفئات أخرى مهمشة داخل المجتمع،.. مثل ذوي الاحتياجات الخاصة. فالتحديات التي تواجه النساء في مجتمعاتنا،.. مثل القيود الثقافية والاجتماعية، قد تكون أيضا موجودة بشكل مماثل لفئات أخرى مهمشة،.. مما يعيق قدرتهم على ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية.
إن إدماج جميع فئات المجتمع في الرياضة والأنشطة الترفيهية ليس مجرد مسألة إنسانية، بل هو جوهري لدمقرطة الفضاء العام. فعندما يتم توفير الفرص لجميع أفراد المجتمع، بما في ذلك الفئات المهمشة،.. للمشاركة بكل حرية وكرامة في الأنشطة الرياضية والترفيهية، يتم تعزيز مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية.
بالتالي، يجب أن تكون جهود تعزيز المشاركة في الرياضة والأنشطة الترفيهية جزءا لا يتجزأ من استراتيجيات الحكومة والجماعات المحلية والمجتمع المدني لتعزيز الديمقراطية والتنمية المستدامة. فعندما يتم تشجيع الشمولية والتنوع في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،.. يتحقق التنمية الشاملة والمستدامة التي تعود بالنفع على الجميع دون استثناء.


