تواصل أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المغربية تسجيل مستويات قياسية مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى، مما فجر جدلا واسعا حول نجاعة الإجراءات الحكومية المتخذة لكبح هذا الارتفاع. فبعد هدوء نسبي طبع شهر رمضان، عادت الأسعار لتقفز إلى عتبة 150 درهما للكيلوغرام، رغم تأكيدات الوزارة الوصية على وفرة العرض.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن أسعار لحم الغنم استقرت بين 120 و150 درهما، وسط توقعات مهنية بتجاوز هذا السقف قريبا. أما لحم البقر، فيتراوح بين 90 و120 درهما، بزيادة قدرها 10 دراهم في كل من اللحم المستورد والقطيع المحلي. ولم يسلم “السقط” من هذه الموجة، حيث تراوح سعر “الدوارة” ولحم الرأس في أسواق الدار البيضاء بين 300 و500 درهم للوحدة، مع مخاوف من ارتفاع أكبر بمناسبة العيد.
استنزاف بنيوي وهيمنة “الشناقة”
ويعزو المهنيون هذا الوضع المتأزم إلى استنزاف حاد للقطيع الوطني ناتج عن “الذبح العشوائي” وغياب الدعم الحقيقي للكساب الصغير. ورغم التساقطات الأخيرة، يؤكد خبراء القطاع أن وفرة الكلأ لا تعني انخفاضا فوريا، لأن القطيع يحتاج وقتاً للتعافي من تداعيات الجفاف. وفي المقابل، يبرز دور “الشناقة” كعامل رئيسي في تأجيج الأزمة، حيث تمر المواشي عبر حلقات متعددة ترفع السعر النهائي بنسب غير منطقية.
أين ذهب الدعم العمومي؟
ورغم إقرار الحكومة لإعفاءات ضريبية وجمركية وتحديد سقف لاستيراد 300 ألف رأس من الأبقار، إلا أن هذه الخطوات لم تجد طريقها إلى جيوب المستهلكين. ويرى مراقبون أن “الحلقة المفقودة” تكمن في غياب “دفتر تحملات” يلزم المستوردين بأسعار بيع نهائية، مما جعل مفعول الدعم يتبخر قبل وصوله للمواطن، في حين يوجه جزء كبير من اللحوم المستوردة لتغطية احتياجات القطاع السياحي والمطاعم الكبرى.
هذا الوضع دفع بالفريق الاشتراكي داخل قبة البرلمان إلى توجيه تساؤلات حارقة لوزير الفلاحة، مطالبا بالكشف عن آليات تتبع الدعم الممنوح للمستوردين في ظل تراجع القدرة الشرائية. من جانبه، عبر “المرصد المغربي لحماية المستهلك” عن قلقه من استغناء فئات واسعة من المواطنين عن اللحوم نهائيا، داعيا إلى نشر لوائح أسعار مرجعية والتصدي الصارم للمضاربين الذين يستغلون المواسم لمضاعفة أرباحهم على حساب السلم الاجتماعي.
ويبقى الرهان اليوم معلقا على قدرة الدولة في فرض رقابة ميدانية صارمة تقطع الطريق على الوسطاء، وتضمن وصول اللحوم إلى مائدة المواطن بأسعار عادلة تتناسب مع واقع دخله اليومي.


