في هدوء تام، وبعيدا عن الخطابات الاحتفالية، يواصل المغرب نسج واحدة من أعمق التحولات التي شهدها نظام الأداء الوطني منذ تأسيسه. تقرير بنك المغرب لسنة 2024، الصادر هذا الأسبوع، لم يكن مجرد وثيقة تقنية، بل خارطة طريق تكشف عن انتقال بنيوي يعيد تشكيل علاقة المغاربة بالمال، ويعيد رسم موازين القوة داخل القطاع المالي.
ففي وقت يعيش فيه العالم على وقع اضطرابات جيوسياسية وتقلبات مناخية تضرب سلاسل التوريد، تظهر المؤشرات الوطنية قدرة لافتة على الصمود. بل إن البنيات التحتية المالية لم تكتف بالحفاظ على استقرارها، بل عززت أداءها بشكل يعكس نضجا مؤسساتيا ورؤية إصلاحية طويلة النفس.
يتصدر المشهد النظام الوطني لتسوية العمليات الكبرى، الذي نجح خلال سنة واحدة في معالجة ما يفوق 25.262 مليار درهم، أي ما يعادل الناتج الداخلي الخام للمغرب خلال ستة عشر يوما فقط. هذا الحجم الضخم من التدفقات المالية يكشف عن عمق العمليات التي يعالجها النظام، وعن الثقة التي تحظى بها منصات الدفع الوطنية.
بدوره، يواصل نظام المقاصة البنكية مساره التصاعدي، بعدما تجاوز عدد معاملاته مئة وستة وثلاثين مليون عملية، بزيادة تفوق ستة عشر في المئة. أما القيمة الإجمالية المتبادلة بين المؤسسات المالية فقد بلغت 2.524,2 مليار درهم، ما يؤشر على ديناميكية متسارعة داخل السوق.
غير أن التحول الحقيقي يتجلى في بروز الدفع الفوري كمحور تغيير شامل. فمنذ إطلاقه سنة 2024، تحول إلى أداة يومية يتبناها ملايين المغاربة، مسجلا أكثر من ستة عشر مليون عملية خلال سنة واحدة، واثنين وعشرين مليونا منذ انطلاق الخدمة. ومبالغ تناهز اثنين وثمانين مليار درهم تؤكد أن الأداء الرقمي بات خيارا مجتمعيا وليس مجرد تقنية إضافية.
هذا التطور السريع ترافق مع تشديد كبير لإجراءات الأمن السيبراني، في ظل تزايد محاولات الاختراق الرقمي. بنك المغرب كثف عمليات المراقبة، ورفع من مستوى فحص أنظمة الحماية، بينما تواصل البطاقات البنكية انتقالها نحو المعايير الأكثر صرامة. فالأمن لم يعد تفصيلا تقنيا، بل دعامة أساسية في ثقة المواطن.
وفي خلفية هذه التحولات، تبرز الاستراتيجية الوطنية للأداءات، التي تشكل إطارا تنظيميا لتقليص الاعتماد على النقد وتعزيز الشمول المالي. هذه الرؤية تعتمد على تحديث الحوكمة، وضبط عمولات التبادل بين المؤسسات، وتشجيع الفاعلين على اعتماد حلول رقمية تتسم بالسهولة والشفافية.
أما الانطلاقة الرسمية لــ مركز المغرب للتكنولوجيا المالية، فتمثل خطوة أخرى لترسيخ الابتكار، حيث يرتقب أن يشكل منصة لتجميع أفكار جديدة وتطوير حلول مالية مرنة، قادرة على مواكبة التحول الرقمي الذي يشهده المجال.
في نهاية المطاف، يقدم تقرير بنك المغرب لسنة 2024 صورة واضحة لمغرب يتحول في العمق: بنية مالية متينة، نظم أداء متطورة، قفزة نوعية في الرقمنة، ورؤية استراتيجية تنسج اقتصادا أكثر سرعة وأمانا وانفتاحا. إنه تحول قد يكون هادئا في ظاهره، لكنه سيعيد تشكيل مستقبل المال والمعاملات في البلاد لعقود مقبلة.


