يتجه المغرب إلى دخول رأسمال قناة تي في 5 الفرنسية، في خطوة قد تمنح الرباط لأول مرة موطئ قدم داخل ملكية وحوكمة مؤسسة إعلامية دولية ذات انتشار واسع، لكنها في المقابل تثير نقاشا داخل القناة بشأن حدود تأثير مساهم عمومي جديد على استقلالية الخط التحريري.
ووفقا لتحقيق نشره موقع بلاست الفرنسي، تجري مفاوضات بين إدارة القناة والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية حول مساهمة تقارب 9.5 في المئة من رأسمال تي في 5، مقابل استثمار يناهز 8 ملايين يورو.
وبحسب المعطيات نفسها، قد ينضم ممثلون عن القطاع السمعي البصري العمومي المغربي إلى مجلس إدارة القناة قبل نهاية عام 2026، فيما تؤكد إدارة تي في 5 أن المساهمين الفرنسيين سيحتفظون بالأغلبية.
استثمار صغير في النسبة.. كبير في الدلالة
قد تبدو نسبة 9.5 في المئة محدودة مقارنة بحجم رأسمال القناة، إلا أن أهمية الخطوة تتجاوز قيمتها المالية، بالنظر إلى أن الطرف المغربي المرتقب ليس مستثمرا خاصا، وإنما مؤسسة عمومية هي الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
وتعتمد الشركة، من بين مواردها، على مساهمة الدولة وموارد مرتبطة بالرسم المخصص للنهوض بالفضاء السمعي البصري الوطني، كما تدير شبكة واسعة من القنوات التلفزيونية والإذاعات والمنصات الرقمية.
وكان رئيسها المدير العام فيصل العرايشي قد أوضح أمام البرلمان أن النموذج الاقتصادي للمؤسسة يقوم، من بين عناصر أخرى، على مساهمة مالية من الدولة.
وبالتالي، فإن دخول الشركة المغربية إلى رأسمال قناة دولية لا يتعلق فقط باستثمار تجاري، وإنما يضع مؤسسة إعلامية عمومية مغربية داخل هيكل حوكمة مؤسسة إعلامية دولية تخاطب جمهورا واسعا في إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
مفاوضات تأتي في توقيت سياسي حساس
وتأتي هذه الخطوة في سياق التقارب المتسارع بين الرباط وباريس، خصوصا منذ إعلان فرنسا سنة 2024 دعمها لسيادة المغرب على الصحراء.
ويشير التحقيق الفرنسي إلى أن إدارة القناة الحالية، برئاسة كيم يونس، أعادت تحريك مشروع توسيع قاعدة المساهمين ليشمل دولا إفريقية، بعدما كانت إدارة سابقة قد طرحت فكرة إدماج سبع دول إفريقية ناطقة بالفرنسية في هيكل الحوكمة.
غير أن المشروع واجه في السابق عراقيل ومخاوف مرتبطة بالوضع السياسي وحرية الصحافة في عدد من الدول المرشحة.
وتقدم إدارة تي في 5 المشروع باعتباره جزءا من استراتيجية تستهدف توسيع قاعدة المساهمين وتحسين التوازن المالي، مؤكدة أن المفاوضات لا تقتصر على المغرب، وأن دولا إفريقية أخرى مطروحة أيضا.
لكن سرعة تقدم الملف المغربي مقارنة بملفات أخرى جعلت الصفقة تحظى باهتمام خاص داخل القناة.
لماذا يخشى صحافيو القناة من دخول المغرب؟
الجانب الأكثر حساسية في القضية لا يتعلق بقيمة الاستثمار، وإنما بما قد يعنيه انتقال المغرب من موقع الدولة التي تغطيها القناة إلى موقع المساهم فيها.
وبحسب التحقيق الفرنسي، يرى بعض الصحافيين داخل تي في 5 أن الخط التحريري تجاه المغرب أصبح خلال الفترة الأخيرة أكثر إيجابية، خصوصا في الملفات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية.
واستشهد التحقيق بتغطيات تناولت مشاريع صناعية وتكنولوجية ومشاركة المغرب في معرض جيتكس إفريقيا، إضافة إلى تقرير وصف المملكة بأنها أصبحت القوة الصناعية الأولى في إفريقيا، استنادا إلى معطيات للبنك الإفريقي للتنمية.
كما أثار تقرير حول مشروع ميناء الداخلة الأطلسي تحفظات بعض الصحافيين، الذين اعتبروا أن طريقة تقديم المشروع كانت إيجابية بشكل مبالغ فيه وقريبة من الأسلوب الترويجي.
لكن هذه القراءة ليست موقفا رسميا للقناة.
فإدارة تي في 5 تنفي وجود أي توجيه سياسي للتغطية، وتؤكد أن هيئة التحرير تختار موضوعاتها وضيوفها بصورة مستقلة، وأن أي مساهم جديد سيكون ملزما باحترام المواثيق المهنية ومبادئ الاستقلال التحريري والتعددية.
مقابلة أثارت الأسئلة
ومن الوقائع التي استند إليها التحقيق الفرنسي حالة الصحافي تييري أوبرليه، مؤلف كتاب عن الملك محمد السادس.
فقد كان مقررا أن يجري مقابلة مباشرة ومنفردة، قبل أن تتحول إلى مقابلة مسجلة بمشاركة خبير آخر، ثم جرى بثها في مدة قصيرة.
وبحسب رواية الصحافي، كانت الأسئلة التي وجهت إليه “لطيفة”، واعتبر أن إدارة القناة ربما لم تكن ترغب في الإضرار بالمفاوضات المرتبطة بدخول المغرب إلى رأسمالها.
إلا أن إدارة القناة ترفض هذا الربط، وتؤكد أن تغيير صيغة المقابلة وتقليص مدتها لم يكن مرتبطا بالمفاوضات مع المغرب، وأن الهدف كان تقديم قراءة متخصصة للسياسة الخارجية المغربية.
الصحراء.. الاختبار الأكثر حساسية
يبقى ملف الصحراء الأكثر حساسية في أي نقاش يتعلق بالتغطية الإعلامية للمغرب.
ويشير التحقيق إلى أن خرائط تي في 5 ما تزال تعتمد الخطوط المتقطعة التي تفصل الصحراء عن المغرب، بما ينسجم مع المرجعية المعتمدة في الأمم المتحدة، فيما تنفي إدارة القناة وجود أي تدخل سياسي في طريقة عرض الخرائط.
وهنا تحديدا يتقاطع الاستثمار المحتمل مع سؤال أوسع: هل يمكن لمساهم عمومي مغربي داخل مؤسسة إعلامية دولية أن يؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في طريقة تناول القضايا التي تعتبرها الرباط ذات أولوية استراتيجية؟
لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، مؤشرات تثبت أن المغرب سيحصل على سلطة تحريرية داخل القناة. كما أن نسبة المساهمة المرتقبة لا تمنحه الأغلبية.
لكن مجرد وجود ممثلين مغاربة محتملين داخل مجلس الإدارة يفتح نقاشا مختلفا حول النفوذ المؤسساتي، خصوصا في القضايا المرتبطة بالمغرب والعلاقات الفرنسية المغربية والصحراء والتنافس الإقليمي في شمال إفريقيا.
من يملك المال لا يملك بالضرورة غرفة الأخبار
وتتمثل النقطة الأساسية في التمييز بين الملكية والقرار التحريري.
فالمساهمة في رأس المال تمنح صاحبها حقوقا مرتبطة بالحوكمة وفق القواعد المعتمدة، لكنها لا تعني بالضرورة امتلاك سلطة على اختيار الأخبار أو صياغة التقارير.
وهذا ما تؤكده إدارة تي في 5، التي تقول إن مواثيق القناة وقواعدها المهنية ستظل سارية على جميع المساهمين.
وفي المقابل، فإن مخاوف الصحافيين لا تتعلق فقط بإمكانية صدور تعليمات مباشرة، بل أيضا بما يسمى في الإعلام التأثير غير المباشر: أي تغير طبيعة التغطية نتيجة وجود مساهم له مصالح سياسية واستراتيجية مرتبطة ببلده.
خطوة مالية أم نفوذ إعلامي؟
بالنسبة إلى المغرب، قد يحمل الاستثمار في قناة ذات انتشار دولي قيمة تتجاوز الحسابات المالية البحتة.
فتواجد مؤسسة عمومية مغربية داخل رأسمال تي في 5 يفتح قناة اتصال جديدة مع فضاء إعلامي فرنكوفوني واسع، ويمنح الرباط موقعا داخل مؤسسة تصل، بحسب إدارة القناة، إلى أكثر من 190 بلدا وتحظى بنسبة معرفة مرتفعة في إفريقيا.
أما بالنسبة إلى القناة، فإن توسيع قاعدة مساهميها قد يوفر موارد مالية جديدة ويساعدها على تعزيز حضورها الدولي في وقت تواجه فيه المؤسسات الإعلامية العمومية تحديات مرتبطة بالتمويل والتحولات الرقمية.
لكن نجاح التجربة سيبقى مرتبطا بسؤال واحد: هل يستطيع المغرب أن يكون مساهما داخل القناة من دون أن يتحول الاستثمار إلى مصدر شك دائم في استقلاليتها؟
الإجابة لن تحسمها قيمة الصفقة ولا نسبة 9.5 في المئة، وإنما ما ستكشفه الممارسة بعد دخول المساهم الجديد إلى مجلس الإدارة، إذا اكتملت المفاوضات بالفعل قبل نهاية 2026.
وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في توقيع الصفقة، بل في قدرة تي في 5 على الحفاظ على استقلال غرف الأخبار، وقدرة المغرب على الفصل بين الاستثمار في مؤسسة إعلامية دولية وبين الرغبة في التأثير على خطها التحريري.


