وجد المسلمون في فرنسا أنفسهم، مرة أخرى، ضحية لتجاذبات سياسية عابرة للحدود أفسدت عليهم روحانية استقبال شهر رمضان المبارك، بعدما تفاجأوا بتباين صارخ في تحديد غرة الشهر الفضيل بين “مسجد باريس الكبير” و”المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” (CFCM).
في الوقت الذي أكدت فيه الحسابات الفلكية الدقيقة استحالة رؤية الهلال مساء الثلاثاء، وهو ما جعل يوم الخميس 19 فبراير موعدا منطقيا للصيام، خرج مسجد باريس الكبير، التابع إداريا وتوجيهيا للجزائر، ليعلن الأربعاء أول أيام رمضان. هذا الموقف الذي برره عميد المسجد، شمس الدين حفيظ، بالتمسك بـ”ليلة الشك”، أثار موجة من الانتقادات التي اعتبرت أن المؤسسة لا تتبع “الرؤية الشرعية” بقدر ما تتبع أجندة سياسية تملى من “قصر المرادية”، تهدف إلى خلق تميز اصطناعي يعاكس المؤسسات التمثيلية المنتخبة.
المجلس الفرنسي.. شرعية الانتخاب مقابل التعيين
وعلى الطرف الآخر، وقف المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، الذي يمثل أكثر من 2000 مسجد في سائر الأراضي الفرنسية، موقفا حازما بتأكيد أن الخميس هو أول أيام رمضان.
ويبرز الفارق الجوهري هنا في “الشرعية”؛ فالمجلس الذي يرأسه كفاءة مغربية وصل إلى منصبه عبر صناديق الاقتراع وانتخابات شفافة، يتبنى منهجية علمية وعصرية تسهل حياة المسلم في مجتمع علماني، بعيدا عن منطق “التعيين المباشر” الذي يحكم رئاسة مسجد باريس من طرف السلطات الجزائرية.
ويرى مراقبون أن إصرار مسجد باريس على مخالفة المعايير العلمية والمجلس الشرعي المنتخب، هو نوع من “العبث” الذي يعيق تنظيم حياة الجالية المسلمة بفرنسا. فبينما يدافع المجلس الفرنسي عن الحساب الفلكي كآلية لعصرنة الحضور الإسلامي وتفادي تقلبات الطقس الغائم التي تجعل الرؤية البصرية مستحيلة، يصر الطرف الممثل للمصالح الجزائرية على استغلال “الهوية الروحية” كغطاء لتحركات سياسية تهدف إلى بسط نفوذ إقليمي داخل المساجد الفرنسية، ولو على حساب وحدة المسلمين وارتباك صيامهم.


