لم يكن قرار إنهاء مهام وزير الري في الجزائر مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء في سياق أزمة مائية خانقة ضربت ولاية عنابة وعدة مناطق مجاورة، وكشفت هشاشة تدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية في البلاد.
الإقالة، التي صدرت بقرار رئاسي مقتضب، وضعت حدا لمهام طه دربال بعد عام تقريبا على تعيينه، في خطوة بدت محاولة لاحتواء موجة الغضب الشعبي المتصاعدة، عقب اضطرابات حادة في توزيع المياه الشروب رغم وفرة الموارد الطبيعية خلال الفترة الأخيرة.
وعلى الأرض، عاش مئات الآلاف من السكان وضعا صعبا، حيث تحولت صهاريج المياه إلى المصدر الوحيد للتزود، في مشهد يومي يعكس حجم الأزمة، خصوصا في بلديات عنابة والبوني والحجار وسيدي عمار وسرايدي، التي عانت من انقطاعات متكررة.
الاختلال لم يكن ظرفيا فقط، بل ارتبط أيضا بأعطاب تقنية مست منشآت استراتيجية، أبرزها محطة تحلية مياه البحر بكدية الدراوش، التي كلفت استثمارات ضخمة، قبل أن تتعطل نتيجة خلل تقني عقب أشغال صيانة. كما زاد تعكر المياه في بعض السدود من تعقيد الوضع، ما جعل الخطاب الرسمي حول “تأمين التزود” يصطدم بواقع ميداني صعب.
وفي خضم هذه التطورات، حاولت السلطات امتصاص الاحتقان عبر رسائل سياسية، أبرزها الحديث عن متابعة رئاسية دقيقة للأزمة، غير أن هذه التصريحات لم تقنع جزءا من الرأي العام، الذي اعتبر أن المشكل يتجاوز الأشخاص ليطرح تساؤلات أعمق حول فعالية منظومة التدبير والرقابة.
ورغم الإقالة، لم يعين خلف مباشر لوزير الري، حيث أسندت مهام تسيير القطاع بشكل مؤقت إلى الأمين العام للوزارة، في مؤشر على حالة ارتباك داخل دواليب القرار، خاصة أن التعديل الحكومي الذي أعقب القرار ركز على قطاعات أخرى، في مقدمتها الطاقة والمناجم.
هذا “الفراغ” في قطاع حيوي كالماء أثار تساؤلات حول أولويات المرحلة، في ظل اعتبار الأمن المائي أحد أبرز التحديات المرتبطة بالاستقرار الاجتماعي. كما فتح الباب أمام انتقادات ترى أن تغيير المسؤولين دون محاسبة شاملة عن الاختلالات البنيوية لن يكون كافيًا لتجاوز الأزمة.
في المقابل، لا تزال تداعيات الأزمة قائمة ميدانيًا، حيث يواصل السكان التعبير عن استيائهم عبر نداءات وعرائض، مؤكدين أن رحيل الوزير لم ينعكس بعد على واقع التزود بالماء.
وبين رهانات التهدئة السياسية وضغوط الواقع اليومي، تبدو أزمة المياه في الشرق الجزائري اختبارا حقيقيا لقدرة السلطات على الانتقال من منطق رد الفعل إلى تدبير استباقي يضع حدا لاختلالات تتكرر مع كل أزمة.


