تضع مجلة «ملفات» في عددها الجديد قطاع المحروقات بالمغرب تحت المجهر، من خلال تحقيق استقصائي اختار له عنوانا لافتا: «من يحكم من؟ هل الحكومة لوبي المحروقات؟»، في إشارة إلى العلاقة المعقدة بين السوق والفاعلين الاقتصاديين ومراكز القرار السياسي.
التحقيق لا يتوقف عند أسعار البنزين والغازوال التي تظهر في محطات الوقود، بل يحاول تفكيك سلسلة المحروقات كاملة، بدءا من الاستيراد مرورا بالتخزين ووصولا إلى التوزيع، مع التركيز على طريقة احتساب الأسعار وهوامش الربح والجهات التي تستفيد من استمرار بنية السوق الحالية.
وتقول المجلة إن فريقها اعتمد في جزء من تحقيقه على بيانات التجارة الخارجية المنشورة من طرف مكتب الصرف، بما يسمح، وفقها، بمقارنة أسعار الاستيراد الفعلية بالأسعار المرجعية المعتمدة في احتساب أسعار البيع بالمغرب.
ويأتي ذلك في سياق اقتصادي يجعل المحروقات عنصرا يتجاوز كلفة التنقل، إذ تنعكس أسعار الطاقة على النقل والإنتاج وتكاليف عدد واسع من السلع والخدمات، وهو ما يجعل أي فارق في كلفة الاستيراد أو هوامش التوزيع موضوعا ذا أثر مباشر على الاقتصاد والقدرة الشرائية.
تركيز السوق تحت المجهر
بحسب التحقيق، تهيمن أربع شركات على أكثر من 60 في المائة من واردات الغازوال والبنزين، بينما تقول «ملفات» إن شركتين مرتبطتين بعائلتي رئيس الحكومة عزيز أخنوش ومباركة بوعيدة تستحوذان، وفق المعطيات التي أوردتها، على نحو 54 في المائة من إجمالي المعاملات التجارية بين الشركات داخل سوق المحروقات.
ويمتد التركيز، وفق المجلة، إلى قطاع التخزين أيضا، حيث تنسب إلى شركة «إفريقيا» حصة تقارب نصف قدرات التخزين الوطنية للغازوال والبنزين.
وتربط «ملفات» هذه المعطيات بالنقاش القانوني حول التخزين المشترك بين الشركات، مستحضرة مقتضيات الإطار القانوني المنظم للقطاع وقواعد المنافسة المتعلقة بالممارسات المنافية للمنافسة واستغلال وضعية الهيمنة.
وهنا ينتقل التحقيق من سؤال الأسعار إلى سؤال أوسع يتعلق ببنية السوق نفسها: هل يسمح مستوى التركيز الحالي بمنافسة فعالة، وكيف تنعكس هذه البنية على الأسعار التي يدفعها المستهلك؟
معادلة التسعير وفارق الأسعار
من أبرز محاور التحقيق تفكيك الطريقة التي تعتمدها شركات المحروقات في تحديد أسعار البيع. وتقول «ملفات» إن الشركات تعتمد مؤشرا مرجعيا لأسعار شمال غرب أوروبا عند احتساب سعر الطن، رغم أن نحو 95 في المائة من شحنات الشركات، بحسب بيانات الاستيراد التي حللها التحقيق، تأتي من خارج تلك السوق.
وتشير المجلة إلى أن الفارق بين السعر الفعلي لبعض الشحنات والسعر المرجعي المعتمد في التسعير يمكن أن يصل إلى حوالي 2000 درهم للطن.
وتقدم «ملفات» مثالا على ذلك من خلال أسعار مارس 2026، حين ارتفع سعر لتر الغازوال، وفق التحقيق، إلى حوالي 13,03 درهما، بينما خلصت حسابات المجلة، استنادا إلى كلفة الاستيراد التي اعتمدتها، إلى أن السعر كان يفترض ألا يتجاوز نحو 11,50 درهما.
كما يتناول التحقيق واردات من الغازوال والبنزين الروسيين خلال سنتي 2022 و2023، ويقول إن تحليل بيانات التجارة الخارجية أظهر وجود شحنات روسية في الفترة نفسها التي كانت فيها شركات تنفي استيراد المحروقات الروسية.
وتخلص المجلة، بناء على منهجيتها وحساباتها، إلى أن هوامش شركات المحروقات منذ سنة 2022 تجاوزت 50 مليار درهم، وتصف جزءا منها بأنه «غير مستحق». وهذه النتيجة تبقى، في سياق التقرير، استنتاجا صادرا عن التحقيق ومنهجيته الحسابية، وليس حكما قضائيا أو قرارا رسميا يثبت عدم مشروعية تلك الهوامش.
المخزون الاحتياطي.. من 75 إلى 60 يوما
يفتح التحقيق كذلك ملف المخزون الاحتياطي للمحروقات، باعتباره آلية يفترض أن تحمي السوق المغربية من الصدمات المفاجئة في الأسعار الدولية.
وتشير «ملفات» إلى أن السقف الذي كان محددا في 75 يوما جرى تقليصه إلى 60 يوما بموجب قرار صادر سنة 2008، معتبرة أن هذا التغيير خفف جزءا من الأعباء الاستثمارية المرتبطة بالتخزين عن الشركات.
وتطرح المجلة سؤالا حول مدى احترام الالتزام القانوني بتوفير مخزون يغطي 60 يوما من الاستهلاك، مستندة إلى ملاحظة مفادها أن موجات ارتفاع الأسعار الدولية كانت تنعكس، وفق تحليلها، على السوق المغربية خلال حوالي 15 يوما.
وبناء على الفترة التي يغطيها التحقيق، من أزمة الطاقة التي أعقبت اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022 إلى التطورات اللاحقة في أسواق الطاقة، تقدر المجلة قيمة الغرامات التي كان يمكن أن تترتب عن اختلالات مرتبطة بالمخزون بنحو 10 مليارات درهم.
وهذا الرقم، بدوره، تقدير وارد في التحقيق وليس حصيلة غرامات رسمية محصلة، وهو ما يجعل التمييز بين التقدير الصحفي والمبالغ المثبتة بقرارات إدارية أو قضائية ضروريا.
مشروع الغاز في الناظور.. حين تتقاطع الطاقة مع المحروقات
الجزء الأكثر حساسية في التحقيق ينتقل إلى مشروع البنية التحتية للغاز الطبيعي المرتبط بـميناء الناظور غرب المتوسط، والذي يفترض أن يساهم في تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الفيول في إنتاج الكهرباء والصناعة.
وكان المشروع يشمل محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال وشبكة أنابيب تربط البنية الجديدة بالشبكة الوطنية، بما فيها الربط عبر الأنبوب المغاربي-الأوروبي باتجاه مناطق مثل القنيطرة والمحمدية.
وتقول «ملفات» إن مسطرة محطة الغاز وشبكة الأنابيب علقت في 2 فبراير 2026، قبل ساعات من الموعد المحدد لفتح العروض، بعد اعتراضات من وزارة الاقتصاد والمالية التي تقودها نادية فتاح العلوي.
وتتطابق هذه النقطة الأساسية مع ما أوردته وكالة رويترز، نقلا عن وثيقة رسمية ومصدر مطلع على الملف، إذ ذكرت أن اعتراض وزارة الاقتصاد والمالية ارتبط بمخاطر تتعلق بالمساطر والميزانية والإطار القانوني المستقبلي لقطاع الغاز.
لكن مجلة «ملفات» تذهب أبعد من ذلك، إذ تطرح شبهة وجود تضارب في المصالح، مستندة إلى كون الانتقال من الفيول إلى الغاز يمكن أن يقلص تدريجيا الطلب على الوقود السائل الذي تستفيد من سوقه شركات مرتبطة بفاعلين سياسيين داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.
صفقات الفيول تعيد طرح سؤال المستفيد
في هذا السياق، يستحضر التحقيق صفقات لتزويد محطات إنتاج الكهرباء بالفيول، ويشير إلى أن شركة «إفريقيا» حصلت سنة 2024 على صفقتين لتزويد محطتي المحمدية وطانطان بقيمة إجمالية تقارب 2,493 مليار درهم، بينما حصلت شركة «بيتروم» في دجنبر 2025 على صفقة تقارب 693 مليون درهم، بحسب المعطيات الواردة في التسجيل والتحقيق.
وتعزز مصادر صحفية أخرى هذه الصورة العامة، إذ تحدث تحقيق منشور حول عدد «ملفات» الأخير عن صفقات تتجاوز قيمتها الإجمالية 3,8 مليارات درهم لفائدة «إفريقيا» و«بيتروم»، مع استمرار مشروع البنية الغازية في وضعية التعليق.
وتطرح «ملفات» في ضوء هذه المعطيات سؤالا حول العلاقة بين استمرار الاعتماد على الفيول وتأخر البديل الغازي، لكنها لا تقدم مجرد وجود الصفقات باعتباره دليلا مستقلا على وقوع تضارب مصالح، بل تربطه بمسار قرار تعليق المشروع وتدعو إلى فحص الوثائق والمراسلات والجهات التي اتخذت القرارات.
وتكتسب المسألة حساسية إضافية بسبب موقع عزيز أخنوش، الذي يشغل منصب رئيس الحكومة، وفي الوقت نفسه ترتبط مجموعته «أكوا» بشركة «إفريقيا»، إحدى الشركات الكبرى في سوق المحروقات. وهذه الوضعية هي التي تجعل مسألة الفصل بين المصالح الخاصة والقرار العمومي حاضرة بقوة في النقاش الذي أثاره التحقيق.
شبكة المصالح والبعد السياسي
لا يتوقف التحقيق عند علاقة رئيس الحكومة بسوق المحروقات، بل يتناول أيضا روابط اقتصادية بين مجموعة «أكوا» ومصالح مرتبطة بعائلة الفاسي الفهري، مشيرا إلى تعيين إبراهيم الفاسي الفهري سنة 2021 عضوا في مجلس إدارة شركة «سوسييتي إفريقيا لوبريف»، ثم استحواذ «أكوا» سنة 2023 على 50 في المائة من رأسمال شركة «معهد أماديوس» المملوكة لعائلة الفاسي الفهري، بحسب ما أورده التحقيق.
وتقدم المجلة هذه الروابط باعتبارها جزءا من شبكة أوسع للمصالح الاقتصادية المحيطة بسوق الطاقة، وتطرح أسئلة حول مدى تشابك المصالح التجارية مع دوائر النفوذ السياسي.
غير أن إثارة شبهة تضارب المصالح لا تعني، بحد ذاتها، إثبات وجود مخالفة قانونية. فالبت في مثل هذه القضايا يحتاج إلى تحديد المصالح المعنية، وطبيعة القرارات المتخذة، والجهات التي شاركت فيها، ومدى وجود منفعة خاصة مرتبطة مباشرة بالقرار العمومي.
كما أن تعليق مشروع الغاز، وفق المعطيات التي نقلتها رويترز، كان مرتبطا رسميا بملاحظات تتعلق بالمساطر والمخاطر الميزانياتية والإطار القانوني، وهو عنصر ينبغي وضعه في الاعتبار عند قراءة الاستنتاجات التي يطرحها التحقيق الصحفي.
من يتحمل كلفة النموذج الطاقي؟
في المحصلة، تضع مجلة «ملفات» عدة ملفات مترابطة أمام الرأي العام: تركيز سوق استيراد وتوزيع المحروقات، طريقة احتساب الأسعار، هوامش الشركات، المخزون الاحتياطي، استمرار الاعتماد على الفيول، ثم مستقبل البنية التحتية للغاز الطبيعي.
والسؤال المركزي الذي يجمع هذه المحاور هو مدى قدرة السوق المغربية على ضمان منافسة فعالة وأسعار تعكس بصورة شفافة كلفة الاستيراد الحقيقية، وفي الوقت نفسه حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق الدولية.
أما في الجانب المؤسساتي، فيظل السؤال الأكثر حساسية هو كيفية تدبير حالات تقاطع المصالح الخاصة مع المسؤولية العمومية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمحروقات.
وبذلك، فإن أهمية تحقيق «ملفات» لا تكمن فقط في الأرقام التي أوردها، وإنما في الأسئلة التي يفتحها حول شفافية سوق المحروقات، وآليات التسعير، والرقابة على التخزين، ومستقبل الغاز، وحدود تضارب المصالح في تدبير الملفات الاقتصادية الكبرى.


