في وقت يتواصل فيه النقاش بالمغرب حول مستقبل العمل الحزبي، وتجديد النخب، ومدى قدرة التنظيمات السياسية على استقطاب الشباب والكفاءات، تبرز تجربة حزب «نستطيع – WeCan» كمشروع سياسي جديد يحاول تقديم تصور مختلف لطريقة ممارسة العمل السياسي وتنظيمه.
ويقدم الحزب نفسه، وفق ما ينشره رسميا، باعتباره حزبا مغربيا وسطيا ذا توجه إصلاحي، ويؤكد أنه قيد التأسيس ولم يحصل بعد على الاعتماد النهائي. كما يقول إن مشروعه يمتد إلى الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، من خلال تنظيم جهوي وهيكلة تهدف إلى إشراك الأعضاء وتكوينهم وإعداد المقترحات وتقديم حصيلة عن العمل.
سبعة مبادئ لتحديد هوية المشروع
يحاول «نستطيع» منذ مرحلة التأسيس رسم ملامح واضحة لهويته السياسية من خلال سبعة مبادئ يقول إنها تمثل القيم التي يريد أن يبني عليها ممارسته.
وتشمل هذه المبادئ الكرامة الإنسانية، والحرية الفردية والجماعية، والمواطنة الفعالة، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والاستحقاق بدل الولاء، وحياد الدين عن الصراع السياسي، ونزاهة القرار وشفافيته. كما يقدم الحزب نفسه باعتباره مشروعا يركز على دولة القانون والمؤسسات والحكامة والاقتصاد المنتج.
ومن بين الأفكار التي يكررها المشروع في تعريفه لنفسه، جعل الكفاءة والاستحقاق معيارا لتحمل المسؤولية السياسية، في محاولة للابتعاد، وفق الخطاب المنشور للحزب، عن منطق الارتباط بالولاء التنظيمي باعتباره الطريق الأساسي للوصول إلى مواقع المسؤولية.
ويضع الحزب أيضا شعار «معكم نستطيع التغيير» في صدارة خطابه، في إشارة إلى أن التغيير الذي يتحدث عنه يفترض، بحسب تصوره المعلن، مشاركة المواطنين وليس الاكتفاء بعمل القيادة السياسية.
ماذا يريد «نستطيع» أن يغير؟
في تصوره للمغرب الذي يسعى إلى المساهمة في بنائه، يركز الحزب على فكرة الحكامة الحديثة والمؤسسات الفعالة والمشاركة المواطنة.
ويضع ضمن أولوياته المعلنة تحديث الحكامة، وإشراك الشباب في صناعة القرار، ودعم التنمية المستدامة، ورقمنة الإدارة، ومحاربة الفساد، وتقوية الجماعات الترابية، وتحسين الخدمات العمومية، والاستفادة من الكفاءات المغربية داخل المملكة وخارجها.
ولا يقدم الحزب الشباب في خطابه باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية، بل يربط حضورهم بالمشاركة في القرار والعمل التنظيمي وصناعة المقترحات.
وهذا التوجه ينسجم مع الهيكلة التي أعلن عنها، والتي تتضمن لجانا متخصصة في الترشيحات والأخلاقيات والمراقبة المالية، إضافة إلى هيئة للإدماج ومجلس لمغاربة العالم، إلى جانب تنسيقيات جهوية يفترض أن تشكل امتدادا للتنظيم على مستوى مختلف مناطق المملكة.
يحاول المشروع كذلك إعطاء أهمية للعمل التنظيمي الداخلي، إذ يتحدث عن اجتماعات مفتوحة وتكوينات ولقاءات ميدانية، مع تصور يقوم على تنظيم الانخراط وتكوين الأعضاء وإعداد المقترحات ثم تقديم حصيلة عن العمل.
ويقول الموقع الرسمي إن الحزب يحمل مشروعه السياسي إلى الجهات الاثنتي عشرة، بينما تشير صفحة الانخراط إلى أن طلبات الانضمام الحالية تظل، بحكم كون الحزب في طور التأسيس، ضمن سجل للانخراط القبلي، على أن يتم تسليم بطاقات العضوية بعد استكمال عملية تأسيس الحزب.
ويعني ذلك أن التجربة لا تزال في مرحلة بناء هياكلها التنظيمية والقانونية، قبل الانتقال إلى مرحلة العمل الحزبي المكتمل من الناحية القانونية.
مغاربة العالم ضمن الهيكلة
من بين الجوانب التي يحضرها الحزب في تصوره، مسألة إشراك المغاربة المقيمين بالخارج.
فالمشروع يتضمن مجلسا لمغاربة العالم يقدمه باعتباره فضاء لصوت المغاربة المقيمين خارج المملكة، كما يضع الكفاءات المغربية الموجودة في الخارج ضمن الموارد التي يقول إنه يريد الاستفادة منها في بناء مشروعه الوطني.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية أوسع لدى الحزب تعتبر أن الكفاءات لا ينبغي حصرها في المجال الجغرافي داخل المغرب، وأن المغاربة المقيمين بالخارج يمكن أن يكون لهم حضور في النقاش وصناعة المقترحات والعمل السياسي.
هشام بوشتي يقود المرحلة التأسيسية
يقود هشام بوشتي المرحلة الحالية باعتباره مؤسس الحزب وأمينه العام المؤقت، وفقا للموقع الرسمي.
ويربط بوشتي المشروع بفكرة إعادة الثقة في العمل السياسي وتوسيع المشاركة وإفساح المجال أمام الكفاءات والطاقات الراغبة في الانخراط في الشأن العام. كما يختصر الموقع جزءا من فلسفة المشروع في عبارة منسوبة إليه: «السياسة مسؤولية، وليست حرفة أو تجارة».
ويشير الموقع كذلك إلى أن مسار تأسيس المشروع سبقته حركة سياسية تحمل اسم «WeCan» منذ سنة 2020، قبل الانتقال إلى مشروع تأسيس الحزب بصيغته الحالية.
وبالرغم من وضوح عدد من المبادئ والأولويات التي أعلنها «نستطيع»، فإن وضعه الحالي يفرض التمييز بين المشروع السياسي المعلن وبين التجربة التي ستنتجها الممارسة الفعلية.
فالحزب يؤكد رسميا أنه لا يزال قيد التأسيس، وبالتالي فإن هياكله ومشروعه وبرنامجه السياسي ستظل خلال هذه المرحلة مرتبطة بمسار البناء التنظيمي والقانوني.
كما أن الموقع الرسمي ينشر بالفعل مذكرات ومواقف بشأن قضايا سياسية وقانونية، من بينها مذكرة موجهة إلى أعضاء البرلمان حول إحالة تعديل للمادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية إلى المحكمة الدستورية، وهو ما يعكس انتقال المشروع تدريجيا من مرحلة التعريف بالهوية إلى محاولة الحضور في النقاش العمومي.
بين الشعارات والممارسة
تضع تجربة «نستطيع» مجموعة من الكلمات في صلب خطابها: الكفاءة، الاستحقاق، المواطنة، الحكامة، الشفافية، الشباب، الرقمنة، العدالة الاجتماعية والمجالية، ومغاربة العالم.
لكن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في إظهار كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى تنظيم فعلي وبرامج سياسية ومواقف عملية، خصوصا أن الحزب لم يصل بعد إلى مرحلة الاعتماد النهائي.
وبذلك، فإن تجربة «نستطيع» تفتح فصلا جديدا في النقاش حول تجديد العمل الحزبي بالمغرب، ليس فقط من خلال الشعارات التي ترفعها، وإنما من خلال الطريقة التي ستبني بها تنظيمها، وتختار بها مرشحيها، وتتعامل بها مع الكفاءات والشباب، وتحول بها أفكارها المعلنة إلى ممارسة سياسية قابلة للقياس.
وفي النهاية، يبقى المسار القانوني والتنظيمي للحزب، ثم أداؤه على أرض الواقع، العاملين الأساسيين في تحديد طبيعة هذه التجربة ومدى قدرتها على الانتقال من مشروع قيد التأسيس إلى فاعل سياسي مؤسساتي.


