يقترب ميناء الناظور غرب المتوسط من دخول مرحلة التشغيل، في مشروع يضع المغرب أمام مرحلة جديدة في المنافسة على حركة الملاحة والتجارة الدولية في غرب البحر الأبيض المتوسط. ووفق تقرير نشرته صحيفة El Periódico الإسبانية، أعده الصحفي José Luis Zaragoza، يرتقب أن يبدأ الميناء عملياته خلال الربع الأخير من سنة 2026، على بعد نحو 50 كيلومترا من مليلية.
ويشير التقرير إلى أن المنشأة الجديدة تمتد أرصفتها على 5.4 كيلومترات، فيما يصل عمقها إلى 18 مترا، وهو ما يسمح باستقبال أكبر سفن الحاويات في العالم. وتقدر طاقته الأولية المتوقعة بين 3 ملايين و5.5 ملايين حاوية نمطية TEU، في وقت يراهن فيه المغرب على تعزيز حضوره في خطوط الملاحة الدولية وربط شمال المملكة بشبكات التجارة المتوسطية والعالمية.
ميناء جديد بعد طنجة المتوسط
وترى El Periódico أن إطلاق الناظور غرب المتوسط يأتي في سياق توسع مغربي متواصل في البنية التحتية المينائية، معتبرة أن الميناء يمثل ثاني ميناء ضخم يبنيه المغرب في منطقة مضيق جبل طارق خلال نحو عقدين، بعد طنجة المتوسط.
ويشير التقرير إلى أن الناظور غرب المتوسط أجرى بالفعل تجارب لنقل البضائع بنظام الدحرجة “رورو” واختبارات أخرى مرتبطة بالشحن، فيما يستهدف المشروع الوصول إلى التشغيل الكامل بحلول سنة 2030.
وتضيف الصحيفة أن المشروع حظي باستثمارات عمومية تعادل نحو مليار يورو، بينها حوالي 310 ملايين يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. كما تشير إلى أن الملك محمد السادس ترأس من الدار البيضاء اجتماعا مخصصا لتتبع وتقييم تقدم مشروع الميناء والمركب الصناعي المرتبط به.
وتضع الصحيفة الإسبانية مشروع الناظور في سياق الأهمية الاستراتيجية لمضيق جبل طارق، الذي تصفه إلى جانب مضائق هرمز وملقا وباب المندب وقناتي بنما والسويس، بأنه أحد أكثر المجالات الجيوسياسية البحرية حركة وتعقيدا في العالم.
ووفق المعطيات التي أوردتها El Periódico، تمر عبر مياه المضيق حوالي 10 في المائة من التجارة البحرية العالمية، مع عبور يقارب 100 ألف سفينة سنويا.
وترى الصحيفة أن قرب الموانئ والمجمعات الصناعية المغربية من أوروبا، إلى جانب انخفاض بعض تكاليف التشغيل والضرائب، أصبح عاملا جاذبا للشركات متعددة الجنسيات والصناعات الموجهة للتصدير، وهو ما يجعل عددا من الاستثمارات يفضل التموقع في الضفة الجنوبية للمتوسط.
طاقة استيعابية تصل إلى 5.5 ملايين حاوية
وتشير El Periódico إلى أن الطاقة القصوى المخطط لها في الناظور غرب المتوسط قد تصل إلى 5.5 ملايين حاوية، وهي الطاقة نفسها تقريبا التي تتعامل معها حاليا موانئ الجزيرة الخضراء وفالنسيا، مقابل نحو 3.8 ملايين حاوية في برشلونة، بحسب الأرقام التي أوردها التقرير.
وتقول الصحيفة إن النموذج الذي يسعى المغرب إلى تكراره هو نموذج طنجة المتوسط، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى مركز رئيسي لحركة الحاويات في المنطقة.
كما ينقل التقرير عن الوكالة المكلفة بالناظور غرب المتوسط، عبر موقعها الرسمي، أن الميناء سيصل عند بدء تشغيله إلى قدرة تصل إلى 25 مليون طن من المحروقات سنويا، و7 ملايين طن من الفحم، و3 ملايين طن من البضائع الأخرى، ما يمنحه أيضا دورا مهما كمركز للطاقة.
وتشير الصحيفة إلى وجود مشاريع لربط الميناء بشبكة أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، إضافة إلى خط أنابيب الغاز الممتد على طول الساحل الأطلسي، ضمن استثمارات بملايين الدولارات.
أكثر من 100 ألف وظيفة
ولا يتوقف طموح المشروع، بحسب التقرير، عند النشاط المينائي. إذ تشير الصحيفة، استنادا إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، إلى أن مشروع الناظور غرب المتوسط والمنطقة الحرة والصناعية المرتبطة به يطمح إلى إحداث أكثر من 100 ألف منصب شغل، بينها 45 ألف وظيفة مباشرة و55 ألفا غير مباشرة.
ويستحضر التقرير دراسة بعنوان “الموانئ الجديدة لطنجة والناظور: استراتيجية المغرب للتطويق” صادرة عن جامعة نافارا، والتي تعتبر أن تطوير هذه المنشآت يندرج ضمن توجه مغربي لتعزيز الحضور الجيوسياسي في مضيق جبل طارق.
وتعتبر El Periódico أن طنجة المتوسط يشكل حتى الآن أبرز نموذج لهذه الاستراتيجية. فمنذ افتتاحه سنة 2007 وتوسعته سنة 2019، أصبح للميناء تأثير واضح على المعادلات الاقتصادية واللوجستية في المنطقة.
طنجة المتوسط يتجاوز الجزيرة الخضراء
وتستند الصحيفة إلى أرقام سنة 2024 لتوضيح حجم التحول الذي أحدثه طنجة المتوسط، مشيرة إلى أن الميناء المغربي عالج 10.24 ملايين حاوية TEU، مقابل نحو 4.7 ملايين حاوية في ميناء الجزيرة الخضراء.
وتقول الصحيفة إن هذا النمو جعل طنجة المتوسط الميناء الأول في إفريقيا من حيث حجم الحاويات، بينما ترى أن قربه من سبتة المحتلة وميناء الجزيرة الخضراء يجعل تطور الموانئ المغربية عاملا اقتصاديا مهما بالنسبة للمنطقة.
كما يشير التقرير إلى مشاريع توسعة وتطوير أخرى في الدار البيضاء والجرف الأصفر وأكادير والمحمدية، إلى جانب مشاريع للطاقة في آسفي، وهو ما يقدمه التقرير باعتباره جزءا من شبكة مينائية وصناعية مغربية آخذة في الاتساع.
الضرائب الأوروبية تعيد رسم حركة السفن
ومن أبرز النقاط التي يناقشها تقرير El Periódico تأثير النظام الأوروبي لتجارة الانبعاثات EU ETS على تنافسية الموانئ.
وتوضح الصحيفة أن شركات الملاحة التي ترسو في الموانئ الأوروبية مطالبة بأداء تكاليف مرتبطة بانبعاثاتها، على أن تصل نسبة الانبعاثات المشمولة بالنظام إلى 70 في المائة خلال 2026 و100 في المائة سنة 2027.
وبحسب التقرير، قد تصل هذه التكلفة إلى 150 ألف يورو إضافية للسفينة الواحدة، وهو ما قد يدفع بعض شركات الشحن إلى تفريغ حمولاتها في موانئ شمال إفريقيا، ومنها طنجة المتوسط، قبل نقل البضائع إلى أوروبا عبر سفن أصغر.
وتشير الصحيفة إلى أن شركات كبرى مثل MSC وMaersk وHapag-Lloyd تنقل آلاف حاويات الترانزيت إلى موانئ شمال إفريقيا، في سياق ترى فيه أنظمة الضرائب الأوروبية عاملا مؤثرا في قرارات شركات النقل.
كما تستشهد الصحيفة بتقدير للمركز الدولي للطرق العددية في الهندسة CIMNE التابع للجامعة التقنية في كتالونيا، يفيد بأن أكثر من 75 في المائة من خطوط الملاحة القادمة من الشرق الأقصى وعبر الأطلسي والمتجهة إلى أوروبا يمكن على المدى الطويل أن تتحول نحو إفريقيا.
تحذيرات من قطاع الملاحة الإسباني
وتنقل الصحيفة عن رئيس الجمعية الإسبانية لملاك السفن، فيسنتي بولودا فوس، تحذيرا من تحول نظام تداول الانبعاثات الأوروبي إلى مجرد مصدر إضافي للإيرادات إذا لم تتم إعادة استثمار العائدات مباشرة في إزالة الكربون من القطاع البحري.
وبحسب التصريحات التي أوردتها El Periódico، يرى بولودا أن إيرادات هذه الرسوم ينبغي أن تعود إلى القطاع البحري وتساعد على تمويل التحول الطاقي، في انسجام مع توصيات أوروبية مرتبطة بالاستراتيجية الصناعية البحرية.
وتشير الصحيفة إلى أن موانئ إسبانية، بينها الجزيرة الخضراء وبرشلونة ولاس بالماس وفالنسيا، تخشى فقدان جزء من أعمال إعادة شحن البضائع لصالح موانئ شمال إفريقيا، في وقت يمكن فيه للموانئ المغربية والجزائرية والتونسية والمصرية الاستفادة من هذا التحول.
الناظور يتحول أيضا إلى مركز للطاقة
ولا تضع El Periódico الحاويات وحدها في صلب مشروع الناظور غرب المتوسط، بل تشير إلى البعد الطاقي للميناء، الذي يتضمن منشآت متخصصة لتخزين وتوزيع المحروقات والغاز الطبيعي، مع إمكانية تطوير دوره مستقبلا في مجال الهيدروجين الأخضر.
وترى الصحيفة أن هذا الجانب قد يعزز موقع المغرب كشريك طاقي للاتحاد الأوروبي، خصوصا مع تطوير مشاريع الطاقات المتجددة بالمملكة، ويمنح الميناء دورا يتجاوز نقل البضائع إلى المساهمة في تخزين ونقل موارد الطاقة.
وفي المقابل، تشير الصحيفة إلى أن موانئ إسبانية مثل برشلونة وفالنسيا والجزيرة الخضراء، إضافة إلى تاراغونا وقرطاجنة وويلبا، تعمل هي الأخرى على تطوير مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقة، في سياق مساعي إسبانيا لتعزيز استقلالها الطاقي.
وينقل التقرير عن دراسة لوزارة الدفاع الإسبانية، أعدها القبطان البحري توماس غارسيا فيغيراس، أن الهيدروجين الأخضر يمكن أن يغير خريطة الطاقة الأوروبية من محور شرق-غرب كان يعتمد على الغاز الروسي، إلى محور جنوب-شمال ينطلق من شمال إفريقيا ومنطقة المتوسط نحو المراكز الصناعية في ألمانيا وهولندا وشمال فرنسا.
إسبانيا ترفع استثماراتها لمواجهة المنافسة
وفي مواجهة توسع طنجة المتوسط واقتراب الناظور غرب المتوسط من التشغيل، تستعد الموانئ الإسبانية بدورها لاستثمارات كبيرة.
وتقول El Periódico إن ميناء الجزيرة الخضراء يعمل على تغيير استراتيجيته للحفاظ على موقعه التنافسي أمام طنجة المتوسط. ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، يخطط الميناء لاستثمار 1.383 مليار يورو في أفق 2030، منها 683 مليون يورو من موارده الخاصة و700 مليون يورو من استثمارات القطاع الخاص.
كما يستهدف مشروع Green Energy Hub جذب ما يصل إلى 7 مليارات يورو إلى منطقة خليج الجزيرة الخضراء.
ويخطط الميناء للوصول إلى طاقة تبلغ 7.5 ملايين حاوية TEU والتعامل مع نحو 9 ملايين حاوية بحلول 2035، مقابل حوالي خمسة ملايين حاليا، من خلال استكمال المرحلة الثانية من مشروع Isla Verde Exterior وتحسين الغاطس وتحديث محطات الحاويات.
أما ميناء فالنسيا، فتشير الصحيفة إلى أنه يواصل بناء محطة جديدة للحاويات ستديرها شركة MSC، باستثمار عمومي وخاص يبلغ 1.6 مليار يورو. وقد بدأت الأشغال نهاية 2024، ومن المنتظر أن تستغرق 54 شهرا.
وستصل مساحة المحطة الجديدة إلى 137 هكتارا، مع قدرة تصل إلى خمسة ملايين حاوية، ما سيتيح لفالنسيا رفع طاقته الإجمالية إلى حوالي 12 مليون حاوية، أي ضعف قدرته الحالية.
بدوره، اعتمد ميناء برشلونة خطته الاستراتيجية للفترة 2026-2030، التي تتضمن استثمارات بقيمة 1.2 مليار يورو لمواجهة التحديات اللوجستية والطاقية، منها 859 مليون يورو لتوسعة وتحسين البنية التحتية والمنشآت.
الأتمتة.. ورقة المغرب في المنافسة
ومن النقاط التي يركز عليها التقرير الإسباني أيضا عامل الأتمتة. إذ يشير إلى أن طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط صمما منذ البداية كميناءين عاليي الأتمتة، وهو ما يسمح، بحسب التقرير، بتسريع عمليات تفريغ ونقل البضائع مقارنة ببعض المنشآت التقليدية.
وترى الصحيفة أن الموانئ الإسبانية تواجه في المقابل تكاليف تشغيل أعلى مرتبطة بحجمها وبكلفة اليد العاملة، خصوصا عمال الموانئ.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير موقف أنطولين غويا، المنسق العام للهيئة الحكومية لعمال الملاحة البحرية ورئيس المجلس الأوروبي لعمال الموانئ، الذي يرى أن المنافسة المغربية لا ترتبط فقط بفارق الأجور.
وبحسب التصريحات التي أوردتها El Periódico، يعتبر غويا أن انخفاض تكاليف عمال الموانئ في المغرب مقارنة بأوروبا يشكل عاملا مهما، لكنه يضيف إليه تأثير القواعد البيئية الأوروبية التي ترفع تكاليف النشاط البحري داخل الموانئ الأوروبية.
وبينما يقترب الناظور غرب المتوسط من بدء تشغيله، يضع التقرير الإسباني المشروع ضمن تحولات أوسع تشهدها منطقة مضيق جبل طارق، حيث لم تعد المنافسة المينائية مقتصرة على حجم الأرصفة وعدد الحاويات، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالطاقة، والأتمتة، والضرائب البيئية، وكلفة التشغيل، وموقع كل ميناء داخل شبكات التجارة العالمية.


