مع استهلال عام 2026، وضعت “مجموعة البنك الدولي” الاقتصاد المغربي تحت مجهر التنافسية العالمية، من خلال النسخة الثانية من تقريرها ذائع الصيت “الجاهزية لممارسة الأعمال” (Business Ready 2025). وفي عينة موسعة شملت 101 اقتصادا عالميا، بصمت المملكة على مسار استثنائي بانتزاعها المركز الثاني إفريقيا وعربيا برصيد 63.44 نقطة، متجاوزة بذلك المتوسط العالمي (60.11) ومتوسط القارة السمراء والمنطقة العربية بمسافات ضوئية.
استقرار “الدرهم” وعمق الإصلاحات
يرى المحللون أن هذا التموقع المتقدم ليس وليد الصدفة، بل هو “تحصيل حاصل” لجهود هيكلية صلبة. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبراء أن القوة الضاربة للمغرب تكمن في استقراره “الماكرو-اقتصادي”؛ حيث لعب “بنك المغرب” دور صمام الأمان في كبح جماح التضخم وضمان استقرار العملة الوطنية، مما منح جرعة ثقة إضافية للمستثمرين الأجانب.
هذا الاستقرار النقدي واكبه إصلاح تشريعي ومؤسساتي قادته اللجنة الوطنية لمناخ الأعمال (CNEA) والمراكز الجهوية للاستثمار، مما أخرج المغرب من “المنطقة الرمادية” وعزز شفافية معاملاته المالية.
نقاط القوة: تجارة عابرة للقارات وخدمات ذكية
لقد عكس التقرير تفوقا مغربيا صريحا في محاور استراتيجية؛ حيث بلغت درجة جودة “خدمات المرافق العامة” (80.05 نقطة)، متبوعة بـ “التجارة الدولية” (74.5 نقطة)، و”توطين المقاولات” (73.82 نقطة). وهي أرقام تترجم نجاح المملكة في تحسين تموقعها ضمن “سلاسل القيمة العالمية”، مستفيدة من موقعها الجغرافي كجسر يربط بين أقطاب اقتصادية عالمية من واشنطن وبكين إلى موسكو وبروكسل، وصولاً إلى العمق الإفريقي.
ورغم هذه “النشوة” الرقمية، لا يخلو التقرير من “رسائل تنبيه” حادة؛ إذ يشير المحللون إلى وجود “هوامش تحسين” ضرورية في ركيزة “الكفاءة التشغيلية” التي سجلت تراجعاً طفيفاً (55.7 نقطة). وتظل ملفات “سوق الشغل” (51.81) و”تسوية صعوبات المقاولة” (50.24)، بالإضافة إلى “النظام الضريبي” (43.42)، بمثابة “عنق الزجاجة” الذي يجب تجاوزه للوصول إلى المركز الأول.
آفاق 2026: من جودة النصوص إلى أثر الممارسة
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب في السنة الجارية، حسب القراءات الاقتصادية، هو الانتقال من جودة “النصوص القانونية” إلى “سرعة التنفيذ”. ويجمع الخبراء على أن عام 2026 يجب أن يكون عام “تحسين الأثر”؛ عبر تسريع الرقمنة الشاملة، واعتماد “البيانات المفتوحة”، وتقليص الآجال الزمنية التي يواجهها المقاول. فالمكسب الحقيقي في الترتيب العالمي لن يتحول إلى ثروة وتشغيل إلا عندما يشعر المستثمر بأن “المساطر” أصبحت أقصر، أوضح، وأقل كلفة.
المغرب اليوم في قلب “الرادار العالمي” للاستثمار، والكرة الآن في ملعب الفاعلين لتنزيل خارطة طريق 2023-2026 بروح تشاركية تضمن السيادة الاقتصادية والريادة الإقليمية.


