تعيش الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسبانية بمدينة مليلية المحتلة حالة من الاستنفار القصوى، عقب تقارير دقيقة صادرة عن جهاز الاستخبارات البحرية التابع لإدارة الجمارك. وتفيد المعطيات الواردة بأن الجزر المغربية المحتلة في عرض البحر الأبيض المتوسط باتت تشهد عمليات “احتلال” ميداني من قبل مهاجرين سريين وزوارق سريعة تعود لبارونات المخدرات، وهو ما كشف بوضوح عن هشاشة الرقابة فوق هذه النقاط الجغرافية المعزولة رغم ترسانة الأجهزة التقنية المتطورة التي تحيط بها.
وتسلط هذه التطورات الميدانية الضوء على تحول هذه الجزر السليبة إلى فضاءات للتحرك بحرية مؤقتة، ما يضع السيطرة الميدانية الإسبانية على المحك. وقد تجسد هذا الاختراق في وصول عائلة بأكملها مؤخرا إلى جزر “شفاريناس” (الجزر الجعفرية) الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات فقط قبالة ساحل “رأس الماء”، حيث مكثت العائلة لساعات فوق الجزيرة دون إبعاد فوري، في مشهد يعكس قدرة المهاجرين على اختراق نقاط يفترض أنها تخضع لإجراءات عسكرية وأمنية مشددة، مما أعاد طرح التساؤلات حول واقع هذه الأراضي التي ظلت لعقود تدار كأقاليم عسكرية مغلقة.
وفي سياق متصل، يبدو أن شبكات تهريب البشر قد انتقلت إلى “الجيل الجديد” من الابتكار للإفلات من مراقبة الجيش الإسباني؛ إذ تحولت جزيرة “البوران” إلى محطة احتجاز مؤقت للمهاجرين لأيام قبل نقلهم صوب مليلية المحتلة، فضلا عن كونها باتت تشكل ملاذا لبعض كبار المهربين المبحوث عنهم. هذا التغيير في التكتيكات يؤكد أن الجزر المحتلة لم تعد بمعزل عن الديناميات المتسارعة للهجرة في غرب المتوسط، حيث تتجه الأنظار نحو هذه الثغرات كلما اشتد الحصار على المعابر التقليدية.
وحسب مصادر مطلعة، فإن تدفق عشرات المهاجرين بتشجيع من شبكات “الاتجار في البشر” يثبت أن السيطرة الفعلية لا تقاس بالوجود العسكري الرمزي فحسب، بل بالقدرة على منع الوصول غير النظامي. ومع تزايد الضغط السكاني والسياسي في حوض المتوسط، تبرز جزر “شفاريناس” وغيرها كمرشح دائم للبقاء ضمن حسابات الباحثين عن “موطئ قدم” مؤقت يمثل بوابة رمزية نحو القارة الأوروبية، وهو ما يربك الخطط الدفاعية الإسبانية التي صرفت مبالغ ضخمة على التجهيزات.
وأمام هذا التحدي، تجد الأجهزة العسكرية الإسبانية نفسها في مواجهة مباشرة مع شبكات تهريب لا تعترف بالحدود التقنية؛ فرغم استثمار مدريد في أنظمة متطورة مضادة للطائرات بدون طيار خاصة في “شافاريناس”، وتخطيطها لتجهيز صخرة “فيليز دي لا غوميرا” (باديس) بمعدات مماثلة، إلا أن الواقع الميداني يثبت أن العنصر البشري وشبكات التهريب لا تزال قادرة على إيجاد ثغرات في جدار الصمت العسكري المحيط بهذه الجزر المغربية المحتلة.


