في وقت تتسارع فيه وتيرة المفاوضات حول نزاع الصحراء تحت إشراف أمريكي غير مسبوق، بدأت تتكشف معالم مرحلة جديدة تتجاوز الإقليم المتنازع عليه نحو ملفات أعمق وأكثر حساسية، في مقدمتها مسألة الحدود بين المغرب والجزائر.
الدينامية الحالية تقطع مع عقود من الجمود الذي طبع المسار الأممي التقليدي، إذ تقود الولايات المتحدة محادثات مباشرة بين المغرب والجزائر و«البوليساريو» وموريتانيا، انطلقت من مدريد وانتقلت إلى واشنطن يومي 23 و24 فبراير. وتستند هذه المشاورات إلى مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما أكدته الأمم المتحدة رسمياً يوم 26 فبراير، حين صرح المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، بأن النقاشات في واشنطن كانت “معمقة ومشجعة وتركزت أساسا على المقترح المغربي”، في انسجام مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 المعتمد في نهاية أكتوبر 2025.
ضغط أمريكي وتحول في المواقف
تحليل صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى اعتبر أن واشنطن نجحت في إحداث اختراق دبلوماسي عبر إشراك الجزائر بشكل مباشر في المحادثات، بعدما ظلت لسنوات تؤكد أنها مجرد “مراقب إقليمي”. وأشار التحليل إلى أن أدوات ضغط متعددة ساهمت في هذا التحول، من بينها نقاشات داخل الكونغرس الأمريكي بشأن صفقات تسليح جزائرية، إضافة إلى أطروحات تتعلق بتصنيف جبهة البوليساريو.
هذا المستجد يكرس، وفق القراءة ذاتها، واقعاً دبلوماسياً جديدا يتمثل في الاعتراف العملي بدور الجزائر كطرف معني بمآلات النزاع، لا مجرد فاعل محيط به.
هاجس الحدود… ما وراء المفاوضات
غير أن التطور الأبرز لا يتعلق فقط بمستقبل الصحراء، بل بما بعدها. فبحسب تحليل آخر للمعهد ذاته، فإن القيادة الجزائرية تبدي حساسية واضحة تجاه مسألة الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وتحرص على تحصينها في أي تسوية مرتقبة.
ويستحضر التحليل الخلفية التاريخية للنزاعات الحدودية بين البلدين، والتي تعود إلى ما قبل اندلاع نزاع الصحراء، مبرزاً أن بعض النخب الجزائرية ترى في أي تحول إقليمي محتمل عاملاً قد يعيد طرح ملفات تاريخية، من بينها ما يُعرف بـ«الصحراء الشرقية»، وهو توصيف يُطلق على أراضٍ اقتطعتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية وألحقتها بالجزائر خلال فترة الاحتلال.
وفي هذا السياق، يشير التحليل إلى أن أي اتفاق سياسي مستقبلي، حتى وإن تمحور حول الحكم الذاتي، قد يتطلب – من وجهة نظر جزائرية – ضمانات واضحة تؤكد عدم المساس بالحدود القائمة.
الوثائق التاريخية تعكس أن ملف الصحراء ارتبط منذ ستينيات القرن الماضي بحسابات استراتيجية أوسع. ففي أعقاب التحولات السياسية التي شهدتها الجزائر منتصف الستينيات، برزت مواقف رسمية تؤكد أهمية البعد الجيوسياسي في التعاطي مع الإقليم، بما في ذلك اعتبارات مرتبطة بالمنافذ البحرية والتوازنات الإقليمية.
هذه الخلفية تجعل من المفاوضات الجارية اليوم أكثر من مجرد نقاش حول وضع إقليم؛ فهي، في جوهرها، إعادة ترتيب لعلاقات ثنائية مثقلة بإرث تاريخي معقد.
واشنطن في موقع الوسيط والضامن
مع تقدم المشاورات، تبدو الولايات المتحدة في موقع يتجاوز الوساطة التقنية إلى دور أقرب إلى الضامن السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بتطمينات متبادلة حول مرحلة ما بعد التسوية. ويشدد تحليل معهد واشنطن على أن الحفاظ على سرية المحادثات ومراعاة “الحساسيات التاريخية” لكافة الأطراف يشكلان شرطا أساسيا لإنجاح المسار.
في المحصلة، تكشف التطورات الجارية أن نزاع الصحراء لم يعد ملفا معزولا، بل بوابة لإعادة صياغة معادلات أوسع في المنطقة المغاربية. فبالنسبة للجزائر، لا يتعلق الأمر فقط بمآلات الإقليم، بل أيضا بضمان استقرار حدود تعتبرها ركيزة سيادتها الوطنية. أما بالنسبة للمغرب، فإن الدينامية الحالية تعزز موقع مبادرة الحكم الذاتي في قلب النقاش الدولي.


