في خطوة أثارت نقاشا واسعا داخل الأوساط الطبية العالمية، أعلنت السلطات الصحية في سويسرا قرارا يقضي بوقف برامج الفحص الروتيني لسرطان الثدي عبر تقنية الماموغرافيا، لتصبح بذلك أول دولة تتخذ موقفاً حاسماً في هذا الاتجاه، بعد سنوات من الجدل العلمي حول جدوى هذه الفحوصات ومخاطرها المحتملة.
على مدى عقود، جرى تقديم الماموغرافيا باعتبارها وسيلة أساسية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، مع حملات توعوية واسعة شجعت النساء على إجراء الفحص بشكل دوري. غير أن تقارير وأبحاثا متراكمة بدأت تطرح تساؤلات جدية بشأن فعالية الفحص، ومدى دقته، وتأثيراته الجانبية.
وفق المعطيات المتداولة في النقاش الدائر، تشير تقديرات إلى أن نسبة معتبرة من النتائج الإيجابية قد تكون خاطئة، ما يفتح الباب أمام موجة من القلق النفسي، وإجراءات طبية لاحقة قد لا تكون ضرورية. وتثار كذلك مخاوف بشأن ما يعرف بـ”التشخيص المفرط”، أي اكتشاف حالات أو تغيرات مرضية لم تكن لتتطور إلى سرطان يهدد الحياة، لكنها تؤدي إلى علاجات مكثفة تشمل الجراحة أو العلاج الكيماوي أو الإشعاعي.
بين مخاطر الإشعاع والضغط الجسدي
من النقاط المثارة في هذا الجدل أيضاً مسألة التعرض المتكرر للإشعاع، باعتباره عاملا معروفا بقدرته على إحداث تغيّرات خلوية عند التعرض المستمر له. كما يُنتقد أسلوب الفحص نفسه، الذي يعتمد على ضغط أنسجة الثدي بقوة للحصول على صورة دقيقة، وهو ما تعتبره بعض الأصوات إجراءً مزعجاً وقد يسبب مضاعفات لدى فئات معينة.
وتتحدث تقارير تحليلية عن مراجعة مئات الآلاف من السجلات الطبية، خلصت إلى وجود نسب مرتفعة من التشخيصات التي لم تكن تستدعي تدخلا علاجيا جذريا، ما غذى نقاشاً حول البعد الاقتصادي لصناعة الفحوصات الطبية ومدى تأثيره على سياسات الصحة العامة.
قرار سويسري يربك المعادلة
قرار سويسرا لا ينظر إليه فقط كإجراء تقني، بل كتحول في فلسفة التعامل مع سياسات الكشف المبكر. فبحسب الجهات الداعمة للخطوة، فإن تراكم الأدلة العلمية استوجب إعادة تقييم شاملة لبرامج الفحص الروتيني، خصوصا في ظل ما وصف بعدم التوازن بين المنافع والمخاطر.
هذا القرار يضع دولاً أخرى أمام تساؤلات صعبة: هل ينبغي الاستمرار في اعتماد برامج الفحص السنوي الشامل؟ أم أن الوقت حان لاعتماد مقاربة أكثر تخصيصا، تراعي عوامل الخطر الفردية بدل تعميم الفحص؟
في خضم هذا الجدل، تطرح بدائل توصف بأنها أقل تدخلا مثل الفحص السريري اليدوي المنتظم، أو تقنيات تصوير متقدمة لا تعتمد على الضغط القاسي أو التعرض المكثف للإشعاع. ويرى مؤيدو التغيير أن الاستثمار في هذه البدائل قد يحقق توازناً أفضل بين الكشف المبكر وحماية صحة النساء من التدخلات غير الضرورية.
ومع ذلك،.. يبقى الملف مفتوحا على نقاش علمي وطبي معقد،.. يتطلب موازنة دقيقة بين التحذير من المخاطر المحتملة، والحفاظ على أدوات أثبتت – وفق دراسات أخرى – دورا في خفض معدلات الوفيات في سياقات معينة.
بين من يعتبر الخطوة السويسرية تصحيحا لمسار طويل، ومن يراها قرارا مثيرا للجدل قد يحمل تبعات غير محسوبة،.. يبقى المؤكد أن قضية الماموغرافيا دخلت مرحلة جديدة من المساءلة، عنوانها الأبرز: صحة المرأة أولا، وضرورة إخضاع كل ممارسة طبية لميزان العلم الدقيق بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.


