يكفي أن تتصفح تطبيق “تيك توك” أو “فيسبوك” لبضع ثوان حتى تصادفك فيديوهات تروج لـ “الدجاج الذي يسممكم”، أو تدعي أن الأنسولين “خدعة”، أو حتى تصور الخضروات النيئة كأعداء لصحتكم. هذا هو عالم “نظام الطيبات”، البروتوكول الغذائي للدكتور ضياء العوضي، الطبيب المصري الذي وافته المنية في 19 أبريل 2026 إثر سكتة قلبية عن عمر يناهز 47 عاما في دبي. وموته، بدلا من أن يطفئ هذه الظاهرة، ساهم للمفارقة في تضخيمها.
في المغرب، تحول هذا النظام سريعا إلى نزعة رقمية حقيقية؛ حيث يتداول مغاربة مقاطعه، ويتبنون مبادئه، بل وصل الأمر ببعضهم إلى التشكيك في علاجاتهم الطبية، قناعة منهم بأنهم توصلوا أخيرا إلى حقيقة ظلت محجوبة لفترة طويلة. وفي مجموعات “فيسبوك” ومنشورات “تيك توك”، تتكاثر الشهادات حول التأثيرات “المعجزة” لهذا النظام، بينما تجد تحذيرات المهنيين الصحيين صعوبة في إحداث نفس الصدى.
ما بدأ كنقاش غذائي محصور في مصر، تحول في غضون أسابيع إلى ظاهرة ثقافية وطبية تتجاوز حدود منشئها، خاصة وأن مصر نفسها انتهت بفرض “حظر إعلامي” شامل على محتويات العوضي في 3 مايو 2026، معتبرة إياها “ضارة بالصحة العامة”؛ وهو قرار يؤكد حجم المخاطر ويستدعي اليقظة في المنصات بمختلف الدول، ولا سيما المغرب.
إذن، ما هو هذا النظام بالضبط؟ وماذا يقول العلم حقيقة عنه؟ ولماذا يغري الكثيرين، بما في ذلك المغاربة؟ طرحنا هذه الأسئلة على الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، والذي كان تحليله مباشرا وصريحا.
ما هو “الطيبات” بالضبط؟
يوضح الدكتور حمضي أن بروتوكول “الطيبات” يغري ببساطته الظاهرة، مشيرا إلى مبدئه القائم على تصنيف الأطعمة إلى معسكرين مشحونين أخلاقيا: “الطيبات” (أطعمة نقية وشافية) و”الخبائث” (أطعمة سيئة وسامة).
- في قائمة المسموحات: الأرز، البطاطس، التمر، العسل، زيت الزيتون، السمن، اللحوم الحمراء، وبعض الأجبان.
- في قائمة الممنوعات: دجاج المزارع، معظم مشتقات الحليب، البقوليات، الخضروات النيئة والأوراق الخضراء، الحمضيات، الزيوت النباتية، والسكر الأبيض.
كما ينص النظام على الأكل حتى الشبع دون حساب السعرات الحرارية، وشرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، والأكل في أي وقت.
ويؤكد الطبيب أن مصطلحات “طيبات، خبائث” ليست عفوية، بل هي مستعارة مباشرة من “الحقل المعجمي القرآني”، مما يرسخ النظام منذ البداية في سجل أخلاقي وروحي. وهنا تكمن إحدى أولى “عمليات التلاعب”. وأوضح الدكتور حمضي أن “هذا البروتوكول ليس مجرد نظام غذائي خيالي، بل هو منظومة أيديولوجية توظف اللغة الطبية لفرض ممارسات غذائية تناقض أصلب الإجماعات العلمية، مع عواقب موثقة على مرضى هشين”.
ماذا يقول العلم.. نقطة بنقطة
لتجاوز الانطباعات والشهادات الفيروسية، اختار الدكتور الطيب حمضي نهجا منهجيا لمواجهة ادعاءات العوضي بالحقائق العلمية:
1. إقصاء البقوليات والخضروات النيئة والحبوب الكاملة: “كارثة على الميكروبيوم”
ذكر الدكتور حمضي أن عقودا من الأبحاث في أمراض الجهاز الهضمي والأحياء الدقيقة تؤكد أن الألياف النباتية هي الغذاء الأساسي للميكروبيوم المعوي. وإلغاؤها يؤدي إلى اختلال التوازن البكتيري، والالتهابات المزمنة، وزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. ولا توجد أي تجربة سريرية تدعم ادعاءات العوضي في هذه النقطة، وعندما طالبت نقابة الأطباء المصرية بدليل علمي، كانت إجابته: “في المستقبل سيتم إثبات هذه القواعد”.
2. الأكل حتى الشبع دون حساب السعرات
التغذية ليست أيديولوجية؛ بل هي فردية وسياقية. وصف قاعدة عالمية بالأكل حتى الشبع دون قيود لأشخاص يختلفون في العمر والحالة الصحية ونمط الحياة هو إنكار لأسس “الطب الشخصي”. ونبه الطبيب إلى أن “هذا مخالف للعلم؛ فالنظام الغذائي يجب أن يلبي احتياجات الشخص حسب عمره ونشاطه وحالته الصحية بشكل متنوع ومتوازن”.
3. شرب الماء فقط عند العطش
حذر الدكتور حمضي قائلا: “ننصح بالشرب بانتظام وعدم انتظار العطش، لأن ذلك يضر الجميع وخاصة الرضع والمسنين؛ فهؤلاء الأخيرون قد لا يشعرون بالعطش، مما يؤدي إلى جفاف حاد بكل خطورته”. فهذه التوصية، التي تقدم كـ “حكمة طبيعية”، هي طبيا “خطر مميت” لفئات كاملة من السكان.
4. الترويج للدهون المشبعة بلا حدود
يشجع هذا النظام على استهلاك اللحوم الحمراء والدهون الحيوانية، مما يرفع الكوليسترول الضار (LDL)، وهو المسبب الرئيسي لأمراض القلب والشرايين حسب جمعيات القلب الأمريكية والأوروبية. وأضاف الطبيب ملاحظة سريرية مثيرة للتأمل: “إنه أمر مقلق علميا وأخلاقيا أن يروج طبيب لنظام مشبع بالدهون ثم يتوفى هو نفسه بنوبة قلبية في سن الـ 47. هذا ليس هجوما شخصيا، بل إشارة سريرية تستحق التفكير”.
5. منع البيض ومشتقات الحليب والخضروات النيئة
بالنسبة للدكتور حمضي، هذه الفئات ركائز غذائية عالمية؛ فالبيض يوفر بروتينات كاملة وفيتامينات، والخضروات النيئة تحافظ على الفيتامينات التي تتأثر بالحرارة (مثل C و B9)، ومشتقات الحليب مصدر رئيسي للكالسيوم. وحذفها يعرض المتبعين لنقص خطير في العناصر الغذائية، خاصة في السياق المغربي.
6. الادعاءات الأكثر خطورة: التبغ، الأنسولين، والسكر
كان العوضي يصرح بأن “التبغ ليس مضرا، والأنسولين خدعة، والسكر ليس خطيرا”. هذه الادعاءات، حسب الدكتور حمضي، ليست خاطئة فحسب بل “قاتلة”. والنتيجة الأكثر مأساوية هي أن أمهات لأطفال مصابين بالسكري قررن إيقاف علاج أطفالهن بالأنسولين، اقتناعا بأن “نظام الطيبات” يشفي السكري نهائيا. وقد كشفت شهادات طبية عن وفيات وتدهور حالات مرضى تخلوا عن علاجاتهم التقليدية بسبب هذا البروتوكول.
البزنس وراء “البوز”
حذر الطبيب من أن نصائح العوضي مصاغة بعناية لتكون ضد القواعد العلمية المستقرة بهدف إحداث “بوز” (Buzz) على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر يدر أرباحا طائلة. وأضاف أن صاحب البروتوكول أنشأ مشروعا تجاريا موازيا لبيع منتجات لجمهوره تحت وسم “طيبات”. المخطط كلاسيكي: “اصنع الخوف، ابتكر الحل، ثم بع المنتجات”.
لماذا يصدق المغاربة هذا النظام؟
يرفض الدكتور الطيب حمضي تفسير نجاح هذا النظام في المغرب بـ “سذاجة الناس”، بل يبحث في الأسباب العميقة:
- طب لا يستمع: يشعر جزء كبير من المغاربة بخيبة أمل تجاه النظام الصحي (استشارات قصيرة، علاقة باردة). العوضي كان يملأ هذا الفراغ بتقديم “الوقت، الإنصات، والتفسير السردي” للمرض.
- الواقع الاقتصادي: أمام تكلفة العلاج وصعوبة الوصول للرعاية، يصبح النظام الغذائي الذي يعد بالشفاء دون مصاريف بديلا مغريا. “غياب التأمين الصحي يدفع نحو الحلول المعجزة قليلة التكلفة”.
- عبقرية التسمية: اختيار كلمة “طيبات” يمنح النظام هوية أخلاقية وروحية، مما يجعل نقد الطبيب له يبدو وكأنه “هجوم ثقافي أو ديني”.
- منطق المؤامرة: صور العوضي نفسه كبطل يحارب “مافيا الأدوية”، وهذا السرد يعزز الالتزام به؛ لأن “البطل المضطهد لا يمكن أن يكون مخطئا”.
- ثقافة “نسخ – لصق”: يشير الدكتور حمضي إلى مشكلة هيكلية في “تغييب العقل النقدي” واستهلاك المحتوى دون تحليل، وهي نتيجة لنظام تعليمي يركز على الحفظ أكثر من المساءلة.
- خوارزميات التضليل: المنصات الرقمية تفضل المحتوى الصادم؛ فالطبيب الذي يقول “الدجاج يقتلكم” ينتشر أسرع من خبير تغذية يشرح التوازن الغذائي.
ماذا يكشف هذا عن المغرب؟
يرى الدكتور حمضي أن “الفيراليتي” المغربية (الانتشار الواسع) لهذه الظاهرة هي “عرض لفشل مزدوج: فشل النظام الصحي في التواصل، وفشل المنصات الرقمية في الرقابة”.
المسألة لا تتعلق بالسخرية من متبعي النظام، بل بفهم لماذا وجد هذا الخطاب صدى واسعا. الجواب يكمن في مؤسساتنا، وخوارزمياتنا، ونظامنا التعليمي، وطب لم يعرف كيف يتحدث لغة مرضاه. ويضيف حمضي: “الأطباء المغاربة غائبون عن التواصل البيداغوجي على الشبكات الاجتماعية، والفراغ يملؤه ‘مؤثرون’ غير مؤهلين بالدارجة”.
وفاة ضياء العوضي في سن الـ 47 بنوبة قلبية بعد سنوات من الترويج للدهون المشبعة ليست “سخرية قدر”، بل هي حسب الدكتور حمضي “إشارة سريرية تستحق التفكير”. إنها دعوة للمغرب لابتكار آليات يقظة لحماية المواطنين من خطابات تتسرب بلبوس طبي وهي تفتقر لأبسط أسسه.
عن لوماتان


