تشهد الساحة الصحية الدولية حالة استنفار متجدد بعد إعلان منظمة الصحة العالمية رفع مستوى الإنذار إلى أعلى درجاته، في أعقاب تفش مقلق لفيروس إيبولا في وسط إفريقيا، يرتبط تحديدا بسلالة نادرة تعرف باسم “بونديبوجيو”، لا يتوفر لها حتى الآن لقاح مرخص أو علاج معتمد.
ويأتي هذا القرار عقب تسجيل موجة إصابات متزايدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث رصدت أكثر من 240 حالة مشتبه بها ونحو 80 وفاة في مقاطعة إيتوري، إلى جانب حالات مؤكدة في أوغندا، خصوصا في العاصمة كمبالا، ما يعكس اتساع رقعة انتشار الفيروس في المنطقة.
وتكمن خطورة هذا التطور في كون سلالة “بونديبوجيو” تعد من السلالات النادرة للفيروس، الأمر الذي يضع المنظومة الصحية العالمية أمام تحد معقد، في ظل غياب أدوات علاجية أو لقاحات جاهزة، وهو ما يزيد من صعوبة احتواء التفشي في مراحله الأولى.
وفي هذا السياق، يرى خبراء في الصحة العامة أن الوضع الحالي يمثل “نقطة ضعف معرفية وعلاجية” في مواجهة الفيروس، مقارنة بسلالات أخرى سابقة مثل “زائير”، التي استفادت من تقدم نسبي في تطوير اللقاحات.
ويؤكد متخصصون أن الاستجابة في هذه المرحلة تعتمد أساسا على التدابير الوقائية غير الدوائية، وعلى رأسها العزل السريع للحالات المشتبه بها، وتتبع المخالطين، وتشديد المراقبة الوبائية، إضافة إلى تعزيز إجراءات الوقاية داخل المرافق الصحية.
ولا تقتصر المخاوف على الخصائص الفيروسية فقط، بل تمتد إلى السياق الجغرافي والأمني للمناطق المتضررة، حيث تشهد بعض بؤر التفشي أوضاعا غير مستقرة، تتسم بالنزاعات المسلحة والنزوح السكاني وحركة تنقل كثيفة، ما يصعب عمليات الرصد والتدخل السريع.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن هذه الظروف قد ترفع من احتمالات الانتشار الإقليمي، الأمر الذي يستدعي تنسيقا دوليا عاجلا لمنع تفاقم الوضع خارج نطاقه الجغرافي الحالي.
وتستحضر الأوساط الصحية الدولية في هذا السياق تجربة وباء إيبولا بين عامي 2013 و2016 في غرب إفريقيا، الذي خلف آلاف الوفيات وأثر بشكل كبير على الأنظمة الصحية، ليبقى بمثابة تذكير دائم بخطورة الأوبئة الفيروسية حين تتقاطع مع هشاشة البنى الصحية.
وبالنسبة للمغرب، فإن خطر دخول الفيروس يظل منخفضاً، دون أن يكون معدوما، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وانفتاحه الجوي على عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خصوصا عبر مطارات دولية رئيسية.
وتعتمد الاستراتيجية الوطنية في مثل هذه الحالات على ما يعرف بـ“الحاجز الوبائي الاستباقي”، والذي يهدف إلى منع أي حالات وافدة من دخول البلاد عبر إجراءات يقظة مبكرة، تشمل مراقبة المعابر الحدودية وتعزيز قدرات الرصد الصحي.
ومن بين الإجراءات المحتملة، تعزيز المراقبة الصحية في المطارات والموانئ، بما في ذلك استخدام أجهزة الكشف الحراري، وإلزام المسافرين القادمين من مناطق موبوءة بتصاريح صحية ومراقبة طبية تمتد إلى 21 يوماً.
كما تشمل التدابير رفع جاهزية المستشفيات والمختبرات الوطنية، خصوصا في ما يتعلق بإجراء اختبارات التشخيص السريع (PCR)، وتوفير وحدات عزل متقدمة قادرة على التعامل مع الحالات المشتبه بها وفق معايير السلامة البيولوجية.
أما على مستوى النقل الجوي الدولي، فتخضع الإجراءات المحتملة لبروتوكولات صارمة في حال الاشتباه بوجود إصابات على متن الرحلات، تشمل العزل والتطهير وتتبع الركاب المخالطين.
ويجمع خبراء الصحة على أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة يظل محصورا في احتواء التفشي في نقطة نشأته، وتفادي انتقاله إلى نطاقات جغرافية أوسع، مع الحفاظ على أعلى درجات التأهب في الدول المرتبطة بالقارة الإفريقية، بما فيها المغرب.


