بدأ المغرب والعراق بحث إمكانية تطوير تعاون في مجال الكبريت، في خطوة قد تفتح أمام الصناعة الفوسفاطية المغربية مصدرا إضافيا لهذه المادة الأساسية. وجاء ذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره العراقي فؤاد حسين في نيويورك، حيث طرحت إمكانية تصدير الكبريت العراقي إلى المغرب.
ولم تتجاوز المباحثات، في هذه المرحلة، مستوى بحث الإمكانية، إذ لم يتم الإعلان عن أي عقد أو كميات محددة أو أسعار أو موعد لبدء التوريد.
وتأتي هذه الخطوة في وقت ارتفعت فيه كلفة واردات المغرب من الكبريت بشكل لافت. فقد بلغت قيمة هذه الواردات 20.2 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقابل 7.8 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تناهز 159%.
وتكتسب هذه المادة أهمية مباشرة بالنسبة إلى صناعة الفوسفاط، إذ تستخدم في إنتاج حمض الكبريتيك، الذي يدخل بدوره في تحويل الفوسفاط إلى حمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاطية.
وفي المقابل، بلغت صادرات المغرب من الفوسفاط ومشتقاته نحو 50.95 مليار درهم خلال الفترة نفسها، مسجلة تراجعا بنسبة 7.8% على أساس سنوي، ما يجعل التحكم في كلفة المدخلات أحد العوامل المهمة بالنسبة إلى تنافسية القطاع.
ويأتي البحث عن المورد العراقي ضمن مسار أوسع لتنويع مصادر التزود. فقد أصبح المغرب من كبار مستوردي الكبريت عالميا، بينما شهدت الأسعار ارتفاعا قويا، إذ تجاوز متوسط السعر الذي دفعه المغرب 750 دولارا للطن في يونيو 2026، مقابل نحو 360 دولارا في يناير وأقل من 150 دولارا في يناير 2025.
العراق يوسع حضوره في سوق الكبريت
وتزامنت المباحثات المغربية العراقية مع بداية توجه بغداد نحو تطوير صادراتها من الكبريت. وكانت الشركة العراقية لتسويق النفط “سومو” قد أعلنت في مايو الماضي عن أول عملية لتصدير هذه المادة، مع تخصيص الكميات المتوفرة لشركات تستوفي الشروط المالية والتقنية.
كما أعلنت شركة نفط ميسان في غشت تسويق 440 طنا من الكبريت المنتج في وحدة معالجة الغاز المركزية بحقل الحلفاية، تمهيدا لتسليمه إلى “سومو” من أجل تصديره.
ويبقى العامل اللوجستي من أبرز الأسئلة المطروحة أمام أي اتفاق مستقبلي. فالشحن من ميناء أم قصر العراقي يتطلب المرور عبر مضيق هرمز ثم المسارات البحرية المؤدية إلى المغرب، بينما يمكن نظريا دراسة مسارات برية نحو موانئ في شرق المتوسط.
وكانت شركة عراقية خاصة قد تحدثت في يوليو عن نقل كميات من الكبريت العراقي عبر ميناء طرطوس السوري إلى المغرب، مع الإشارة إلى إمكانية بلوغ 25 ألفا إلى 50 ألف طن شهريا. غير أن هذه المعطيات لم تؤكدها “سومو” أو السلطات المغربية، كما أن المباحثات المعلنة في نيويورك لم تحدد مسارا أو حجما للتوريد.
تنويع الإمدادات بالتوازي مع تحرك OCP
وفي مواجهة تقلبات سوق الكبريت، اتجه المكتب الشريف للفوسفاط إلى تدبير مخزوناته وتنويع تقنيات الإنتاج. وكان OCP قد أشار إلى أن مخزوناته كانت توفر تغطية للاحتياجات إلى نهاية يوليوز 2026، كما عزز إنتاج “الثلاثي سوبر فوسفات” (TSP)، الذي يتطلب كمية أقل من السوفـر مقارنة بإنتاج DAP وMAP.
وبلغت صادرات المغرب من TSP خلال النصف الأول من السنة نحو 1.76 مليون طن من P2O5، وهو مستوى قياسي وفق المعطيات المعلنة.
كما توسعت خريطة الموردين، مع بروز كازاخستان كمصدر رئيسي منذ 2024، إلى جانب واردات من تركمانستان وكندا.
وبالتوازي، يجري العمل على تطوير إمكانيات محلية مرتبطة بالكبريت، من بينها تشغيل وحدتين جديدتين لحرق الكبريت في الجرف الأصفر خلال 2024 و2025، فضلا عن مشاريع مرتقبة بين OCP ومناجم لتوسيع معالجة البيريت والبيروتيت ابتداء من 2027.
وبذلك، يندرج الخيار العراقي في إطار سعي المغرب إلى توسيع قاعدة مصادر الكبريت وتقليل تأثر الصناعة الفوسفاطية بتقلبات الأسواق الدولية. لكن تحويل هذه الإمكانية إلى تدفقات تجارية فعلية يظل مرتبطا بالمفاوضات المقبلة، وبالكميات والأسعار والمسار اللوجستي الذي قد يتم الاتفاق عليه.


