لم يعد السؤال في أوروبا اليوم: متى سأشتري منزلا؟ بل أصبح: هل أحتاج فعلا إلى الشراء؟
فمع الارتفاع المتواصل في أسعار العقارات والطاقة، وتقلبات سوق الشغل، وتزايد نزعة التنقل بين المدن والدول، يتغير نموذج السكن الأوروبي بهدوء ولكن بعمق. ما كان يعتبر سابقا محطة حتمية في مسار الاستقرار الاجتماعي — أي امتلاك منزل — لم يعد الخيار الافتراضي للجميع.
تراجع في الملكية… وصعود للإيجار
تظهر بيانات حديثة صادرة عن RE/MAX Europe أن معدلات ملكية المنازل تتراجع في عدد مهم من الدول الأوروبية. فقد انخفضت النسب في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى دول في أوروبا الشرقية، بينما سجلت تركيا أكبر انخفاض.
في المقابل، بات الإيجار وضعا سائدا في بعض الدول. ففي ألمانيا وسويسرا والنمسا، لا يمتلك معظم السكان منازلهم. هذه الأرقام لم تعد استثناء، بل أصبحت تعكس ثقافة سكنية مختلفة، لا ترى في الإيجار مرحلة انتقالية بالضرورة.
المال ليس كل القصة
صحيح أن الأسعار المرتفعة تشكل عائقا حقيقيا، خاصة مع ارتفاع تكاليف القروض والرسوم العقارية التي قد تصل في بعض الدول إلى أكثر من 8% من قيمة المنزل. لكن المفارقة أن الأسباب ليست مالية فقط.
نسبة معتبرة من الأوروبيين الذين لا يخططون للشراء يؤكدون أنهم راضون عن وضعهم الحالي كمستأجرين. كما أن فئة أخرى تفضل تجنب الالتزامات طويلة الأمد المرتبطة بالملكية: صيانة، ضرائب، التزامات بنكية، ومخاطر السوق.
بمعنى آخر: الإيجار لم يعد دائما نتيجة عجز، بل أحيانا خيار واع.
جيل التنقل… لا جيل الجذور
جيل الألفية تحديدا يبدو أكثر ميلا إلى المرونة. كثيرون يفضلون الاحتفاظ بحرية الانتقال بحثا عن فرص عمل أو جودة حياة أفضل. في هذا السياق، تصبح الملكية عبئاً يقيد الحركة بدل أن يوفر الاستقرار.
كما أن الوجهات المفضلة للعيش والعمل — مثل إسبانيا وألمانيا — تشهد تدفقات سكانية تعزز ثقافة الإيجار، خصوصا في المدن الكبرى ذات الطابع الدولي.
7 سنوات ادخار… ومع ذلك؟
في المتوسط، يحتاج الأوروبي إلى أكثر من سبع سنوات لادخار مبلغ كافٍ لشراء منزل، وقد تمتد المدة إلى عشر سنوات في بعض البلدان. لذلك يعتمد جزء من المشترين على دعم عائلي لتمويل الدفعة الأولى.
لكن السؤال الأعمق ليس فقط: هل أستطيع أن أشتري؟
بل: هل يستحق الأمر الالتزام لعقود في عالم سريع التغير؟
هل أصبح الإيجار هو القاعدة؟
لا يمكن الجزم بأن أوروبا تتخلى عن ثقافة التملك بالكامل، لكن المؤشرات واضحة:
الاستئجار لم يعد مجرد مرحلة مؤقتة في انتظار “البيت الحلم”، بل أصبح في كثير من الحالات وضعا مستقرا وطبيعيا.
التحول الجاري ليس اقتصادياً فقط، بل ثقافي أيضا. فبين الاستقرار المالي وحرية الحركة، يختار كثيرون اليوم المرونة. وبين امتلاك الأصول وتخفيف الالتزامات، يعاد تعريف معنى الأمان.


