الأكثر مشاهدة

طفلي مختفى.. حين تتحول مواقع التواصل إلى خط دفاع أول

في لحظات قد تكون حاسمة، يكفي نشر صورة ووصف دقيق لطفل مختف حتى ينطلق إنذار رقمي واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليحول آلاف المستخدمين إلى عيون إضافية في عملية البحث. هكذا أعاد المغرب تشكيل مقاربته لملف الأطفال المختفين عبر منصة “طفلي مختفى”، التي أصبحت أداة محورية منذ إطلاقها في مارس 2023.

هذه المبادرة لم تأتِ بشكل عفوي، بل تجسد تحولا أعمق في العقيدة الأمنية، يقوم على الانتقال من التدخل بعد وقوع الحادث إلى استباقه عبر توظيف التكنولوجيا وتحليل المعطيات وإشراك المجتمع. في هذا السياق، باتت الخوارزميات، والبيانات الرقمية، والتحقيقات المتقاطعة جزءًا من العمل اليومي للأجهزة الأمنية.

وجاء إطلاق المنصة نتيجة شراكة بين المديرية العامة للأمن الوطني وشركة “ميتا”، ما مكن المغرب من الاستفادة من الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي في تسريع عمليات البحث. ورغم استلهام التجربة من نظام “أمبر” العالمي، فقد تم تكييفها مع الخصوصيات القانونية والاجتماعية المحلية.

- Ad -

تعتمد المنصة على مسطرة دقيقة تبدأ من لحظة التبليغ، حيث يُلزم ولي الأمر—سواء الأب أو الأم أو الوصي القانوني—بالتوجه إلى أقرب مركز أمني لمكان الاختفاء، وليس بالضرورة محل السكن. ويتم تحرير محضر مفصل يتضمن صورة حديثة للطفل، ووصفًا دقيقًا لملابسه وظروف اختفائه، إلى جانب موافقة كتابية صريحة على نشر المعطيات عبر الإنترنت.

بمجرد تسجيل البلاغ، تتحرك الأجهزة الأمنية بشكل فوري، من خلال تعميم إشعارات على الدوريات، وإقامة حواجز مراقبة، وإخطار المستشفيات، إلى جانب تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة القريبة. في الوقت ذاته، تتدخل وحدة مركزية مختصة لمراجعة الملف والتأكد من استيفائه الشروط قبل نشره على منصات التواصل.

هذا التنسيق يهدف إلى تقليص الزمن الفاصل بين الاختفاء ونشر الإنذار، ما يزيد من فرص العثور على الطفل بسرعة، خاصة مع قابلية المنشورات للانتشار خارج الحدود بفضل تفاعل المستخدمين.

ورغم أهمية هذا النظام الرقمي، فإنه لا يلغي المساطر التقليدية، بل يعمل إلى جانبها في إطار تكامل ميداني وتقني. كما تظهر المعطيات أن أغلب حالات الاختفاء لا ترتبط بجرائم خطيرة، بل تعود في كثير من الأحيان إلى ضياع عرضي أو هروب مؤقت بسبب ضغوط نفسية أو أسرية.

في المقابل، تواجه المنصة تحديا متزايدا يتمثل في انتشار الأخبار الزائفة، التي تربك جهود البحث وتثير القلق داخل المجتمع. ولهذا، تعتمد السلطات مقاربة صارمة في مواجهة هذه الظاهرة، عبر المتابعة القانونية لكل من يروج معلومات مضللة أو يسيء إلى سمعة المؤسسات والأسر.

بعد ثلاث سنوات من إطلاقها، رسخت “طفلي مختفى” موقعها كآلية حديثة تجمع بين السرعة الرقمية والدقة الأمنية، في تجربة تعكس توجها متصاعدا نحو توظيف التكنولوجيا في حماية الفئات الأكثر هشاشة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الشفافية وخصوصية المعطيات.

مقالات ذات صلة