تفتح أمهات المصادر التاريخية صفحة مطوية من تاريخ المغرب الكبير، تضيء على الأسباب الحقيقية التي عجلت بسقوط الأندلس وضياع مدينة سبتة، وهي الفاجعة التي لم تكن وليدة ضعف عسكري مغربي بقدر ما كانت نتيجة لما توثقه المراجع بـ “تكتلات الجوار” والتحالفات المتداخلة التي شلت حركة المرينيين ومنعتهم من إتمام مهمتهم التاريخية في حماية الوجود الموري خلف البحر.
وأكد أن هذه المعطيات ليست استنتاجات شخصية أو من وحي الخيال، بل هي حقائق تاريخية مثبتة في أمهات المصادر والروايات التاريخية. كما شدد على أن المغاربة لم يكن صعبا عليهم الحفاظ على الأندلس أو استرجاع سبتة، وإنما كانت “المصيبة والعرقلة” تأتي دائما من تحالفات الجيران وتآمرهم.
وأوضح كلاب أن المغرب كانت لديه مهمة تاريخية ثابتة هي الحفاظ على وجود الموريين والأندلس:
- المرابطون: هزموا المسيحيين في معركة الزلاقة، وضموا الأندلس وحافظوا على الوجود الموري بها.
- الموحدون: قاموا بالحفاظ على الأندلس وحمايتها عقب تأسيس دولتهم.
- المرينيون: واصلوا المهمة عبر خوض سلسلة من الحروب والعبور المتكرر لمنع الزحف المسيحي نحو الجنوب.
غير أن المشكلة الأساسية التي واجهت الدولة المرينية – حسب المؤرخ – تمثلت في الجار الشرقي للمغرب، فبعد انهيار الدولة الموحدية ونشوء الدولة المرينية، تأسست في شرق المغرب بتلمسان إمارة بني عبد الواد (بني زيان). وكانت هذه الإمارة تخضع تارة للمرينيين، وتعمل تارة أخرى على إضعافهم عبر التحالف مع المسيحيين وحكام بنو الأحمر في الأندلس.
ونبه كلاب إلى أن الهدف من عرض هذه الحلقات هو استخلاص الدروس من التاريخ لبناء موقف وطني، موضحا أن المغرب كان عبر التاريخ يواجه مصيره بمفرده، يقدم المساعدات واليد الممدودة للآخرين دون أن ينال في المقابل سوى الوقوف ضد مصالحه، مشيرا إلى أن البعص يقع ضحية لهويات “فوق وطنية” تضر بمصالح البلاد.
1. المؤامرة الثلاثية ضد يعقوب بن عبد الحق المريني
استعرض المؤرخ محطة تاريخية مفصلية تعود إلى بداية حكم بني مرين عقب سيطرتهم على مراكش سنة 668 هـ، حيث تتوق نفس السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني للجهاد بالأنشطة والعبور إلى الأندلس لحماية الموريين وإيقاف زحف الممالك المسيحية (التي نشطت بعد هزيمة الموحدين في معركة العقاب سنة 619 هـ / 1212 م).
عبر يعقوب المريني عدة مرات إلى الأندلس وأدب القوات المسيحية وهاجم حصونهم. لكن هذا النجاح أدخل الخوف في نفس حاكم الأندلس محمد بن الأحمر (المدعو بالفقيه – ثاني ملوك بني الأحمر).
- سبب الخوف: خشي ابن الأحمر أن يتقوى أمر يعقوب المريني في الأندلس ويقوم بـ “استنزاله” وسلبه حكم الأندلس، تماما كما فعل يوسف بن تاشفين سابقا مع ابن عباد عندما كشف تواطؤه مع الفونسو وجلبه إلى غمات.
- المؤامرة الثلاثية السرية: للحيلولة دون عبور يعقوب المريني مجددا، أقام ابن الأحمر حلفا ثلاثيا سرا ضم:
- بنو الأحمر (حكام الأندلس).
- الطاغية المسيحي (سلطان القشتاليين).
- يغمراسن بن زيان (حاكم تلمسان في الشرق).
تفاصيل الخطة وإشغال المرينيين من الخلف:
- قام ابن الأحمر بالاتفاق مع الطاغية المسيحي، وأرسل هذا الأخير أساطيله البحرية لسد “الزقاق” (مضيق جبل طارق) لمنع عبور السلطان المريني وعساكره.
- راسل التحالف يغمراسن بن زيان من وراء البحر ليتكفل بـ “الأخذ بحجزة يعقوب” وشن الغارات والهجمات المستمرة على الثغور والمناطق الحدودية الشرقية للمغرب، ليشغل الدولة المرينية بالحروب الداخلية في الشرق ويمنع سلطانها من العبور لنصرة الأندلس.
- استجاب يغمراسن للطلب فورا، وتبادل الرسل والرسائل مع الطاغية المسيحي، وبث سراياه وبعوثه في نواحي المغرب.
موقف السلطان يعقوب المريني:
أوضح كلاب أن يعقوب المريني لم يكن على علم بهذا الحلف، حيث كان يتحرك بنية نصرة الموريين والجهاد. وعندما بدأت هجمات يغمراسن تضايقه وتمنعه من العبور، طلب يعقوب المريني بنفسه المهادنة والصلح من يغمراسن، ناشدا إياه أن يترك الحروب الجانبية ليتفرغ لقتال العدو المسيحي، إلا أن يغمراسن رفض الصلح وأصر على مواصلة الحرب.
2. النصوص والوثائق التاريخية الاستدلالية
لتأكيد هذه المعطيات، قرأ المؤرخ نصوصا صريحة من أمهات الكتب التاريخية:
أ. رواية ابن خلدون (كتاب العبر – الجزء 7، ص 119 – 120):
ينص ابن خلدون على أن يعقوب بن عبد الحق لما جاز للجهاد أوقع بالعدو ونازل إشبيلية وقرطبة وتوغل في دار الحرب، وتخلى له ابن أشقيلولة عن مالقة فملكها. وكان سلطان الأندلس محمد الفقيه هو من استدعاه أولا. فلما استفحل أمر يعقوب وتعاظم خوف ابن الأحمر من أن يفعل به ما فعله ابن تاشفين بابن عباد:
“فاعتمل في اسباب الخلاص مما توهم، وداخل الطاغية في اتصال اليد والمظاهرة عليه… وراسلوا يغمراسن من وراء البحر في الأخذ بحجزه يعقوب وشن الغارات على ثغوره ليكون ذلك شاغلا له عنهم، فبادر يغمراسن بإجابتهم وترددت الرسل إليه من الطاغية ومنه إلى الطاغية… وبث السرايا والبعوث في نواحي المغرب فشغل يعقوب عن شأن الجهاد، حتى لقد سأله المهادنة وأن يفرغ لجهاد العدو فأبى عليه”.
ب. رواية ابن أبي زرع (كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص 35):
تؤكد الرواية دفع الأموال لشراء خدمات يغمراسن لإشعال الحروب:
“وكان ابن الأحمر قد صالح يغمراسن بن زيان وبعث إليه أموالا جليلة وهدية عظيمة على أن يشغل عنه أمير المسلمين ويشعل عليه نار الحروب ويشن الغارات على بلاده حتى يمنعه الجواز إلى الأندلس، فأخبر أمير المسلمين بخبرها فبعث رسوله إلى يغمراسن يسأله عن الذي بلغه ويطلب منه تجديد الصلح، فقال للرسول: لا صلح بيني وبينه أبدا وليس عندي ما عشت إلا الحرب، وكل ما بلغه من صلحي مع ابن الأحمر فهو حق”.
جـ. نكث ابن الأحمر وطلب الاستغاثة مجددا (كتاب الذخيرة السنية، ص 163):
بعد أن انقلب المسيحيون على ابن الأحمر وخشي من بطش الفونسو عقب إحدى الغزوات، أرسل قصيدة شعرية يستعطف فيها يعقوب المريني ويطلب منه النجدة والعبور مجددا، معترفا بخطئه الأول ومطالبا بالعودة لإطفاء الفتنة.
د. حادثة رأس “دون نونيو ديلارا” (روض القرطاس، ص 318 – 319):
استجاب يعقوب المريني لاستعطاف ابن الأحمر وعبر مجددا، وخاض المعارك وقتل القائد المسيحي “دون نونيو ديلارا” واقتطع رأسه. ولتطيب خاطر ابن الأحمر، أرسل يعقوب الرأس إليه. لكن ابن الأحمر قام بوضع الرأس في المسك والكافور وأرسله إهداء إلى الفونسو ليتقرب به إليه ويتحبب به للطرف المسيحي.
3. وصية يغمراسن لابنه عثمان (عدم مواجهة المرينيين)
أفاد المؤرخ بأن المرينيين تفرغوا لاحقا لردع يغمراسن بن زيان في تلمسان، حيث حسمت جميع النزالات والمعارك العسكرية لصالح المرينيين.
وعندما حضرت يغمراسن الوفاة سنة 681 هـ، ترك وصية صارمة لوليه وعهده ابنه عثمان، أوردها ابن خلدون في الجزء 7، ص 283:
- ألا يحدث نفسه إطلاقا بمقاومة بني مرين أو مساماتهم (مساواتهم) في الغلبة، لأن بني مرين سلالة دولة وقوة تراكمت من المرابطين والموحدين.
- ألا يبرز لقائهم في “الصحراء” (أي الساحات والميدان المفتوح) في حرب مواجهة مباشرة.
- أن يلوذ منهم بالجدران (أي الاختباء والتحصن خلف أسوار تلمسان والهروب) كلما قصد المرينيون مواجهته.
4. الأندلس في وجدان السلاطين المرينيين (نموذج جبل طارق)
شدد المؤرخ عبد الخالق كلاب على أنه رغم هذه الخيانات، ظلت الأندلس حاضرة بقوة في الوعي والوجدان المريني، وأن استقرار الأندلس وعمرانها لم يكن ليتحقق لولا الحماية والدعم المغربي.
واستشهد بما أورده ابن بطوطة في (تحفة النظار، ص 670 و678) عن السلطانين أبي الحسن المريني وابنه أبي عنان المريني:
- فتح جبل طارق وترميمه: استرجع أبا الحسن جبل طارق من أيدي “الروم” سنة 733 هـ بعد حصار دام 6 أشهر، وأنفق أموالا طائلة، وبنى به المآثر العظيمة ودار الصناعة والسور الأعظم، وجدد بناءه بعده ابنه أبو عنان.
- مجسم جبل طارق في القصر الملكي بفاس: نقل ابن بطوطة شاهدا عيانا أن السلطان أبا الحسن المريني، من شدة شغفه واهتمامه بجهاد الأندلس، أمر الصناع في “المشور السعيد” بفاس بصنع مجسم دقيق ومتقن (Identique) لجبل طارق بأبوابه وأسوار أبراجه وأهرية زرعه ومساجده، ليكون أمامه دائما لمتابعة أحوال الحصن وإعداده.
- دعم الثغور: واصل أبو عنان المريني التكفل بإمداد الثغور الأندلسية بالأقوات والأموال والسلاح، وهو أمر كان شهيرا لدى أهل الشرق والغرب.
أكد كلاب أن انهيار الدولة المرينية وضعفها كان السبب المباشر الذي أدى لسقوط الأندلس، وتبعه بعد ذلك التكالب على السواحل المغربية وسقوط مدينة سبتة.
5. سقوط بني مرين ومؤامرة الوطاسيين مع العثمانيين والاحتلال
استشهد المؤرخ بكتاب “الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي سجلماسي” للمؤرخ محمد بن أحمد الكنسوسي (ج 1، ص 81):
“لما ضعفت دولة بني مارين وتلاشت أسبابهم وفشلت رياحهم، كلب العدو الكافر على السواحل من بلاد المغرب وأريافها…”
وهذا الوضع هو ما أدى إلى قيام الدولة السعدية في سوس لاسترجاع الثغور. وعندما دخل السلطان محمد الشيخ السعدي إلى مراكش (1524 م) ثم فاس، لجأ أبو حسون الوطاسي بعد هزيمته إلى معاقل القشتاليين (إسبانيا) يطلب منهم الجيش والسلاح للقضاء على محمد الشيخ.
مؤامرة السلطان القشتالي والجيش العثماني:
ورد في كتاب “الدولة السعدية” (ص 22 – 23) نص النصيحة المؤامرة التي قدمها سلطان قشتالة للوطاسي:
- قال السلطان القشتالي للوطاسي إن إعطاءه جيشا من النصارى المسيحيين سيؤدي إلى اجتماع كلمة كافة المغاربة والمسلمين ضده ومحاربته كخائن.
- نصحه بدلا من ذلك بأن يذهب إلى الجزائر (التي كانت تخضع للحكم العثماني) ليشتري بمال القشتاليين محلة من جيش “الترك” (العثمانيين) تتكون من 4000 مقاتل أو أكثر.
- تكفل السلطان القشتالي بتقديم كافة الأموال اللازمة وتقسيمها على ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: يدخل به إلى الجزائر لشراء خدمات الجيش العثماني.
- القسم الثاني: يخرج إليه من مدينة وهران (التي كانت خاضعة للاحتلال الإسباني آنذاك).
- القسم الثالث: يخرج له من مدينة مليلية (الخاضعة للاحتلال الإسباني).
- الهدف من هذه الخطة كان استخدام المال والجيش العثماني بالوكالة بدعم إسباني لخلق القلاقل والفتن الداخلية وإضعاف الدولة المغربية السعدية الناشئة.
اختتم المؤرخ عبد الخالق كلاب الحلقة بالتأكيد على أن هذه الأحداث تشرح طبيعة العراقيل التاريخية التي كانت تقف أمام المغرب في الحفاظ على أراضيه واسترجاع ثغوره. ووعد المتابعين بإفراد الحلقة القادمة للحديث المفصل عن محاولات السلاطين المغاربة (خاصة في عهد الدولة العلوية) والمقاومة المغربية لاسترجاع مدينة سبتة، والعراقيل التي واجهتهم في ذلك، مشيرا إلى قرب صدور كتابه الجديد بعنوان “الأمة المورية” الذي يتناول هذه الوقائع والوثائق بالتفصيل.


