الأكثر مشاهدة

معركة إغزار ن ووشن.. حين واجه محمد أمزيان مشروع إسبانيا لنهب معادن المغرب

في 27 يوليوز 1909، شهدت منطقة إغزار ن ووشن أو “وادي الذئب”، التي اشتهرت في المصادر الإسبانية باسم «Desastre del Barranco del Lobo»، واحدة من أبرز المعارك ضد التوسع الاستعماري الإسباني في الريف بقيادة المجاهد محمد أمزيان. ولم تكن المواجهة مجرد عملية عسكرية معزولة، بل جاءت في قلب صراع حول الأرض والثروات المعدنية والسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية المحيطة بالناظور ومليلية المحتلة.

في مطلع القرن العشرين، كانت القوى الأوروبية تتسابق لتقسيم مناطق النفوذ في شمال إفريقيا. وبعد اتفاقات سنة 1904 ومؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، حصلت إسبانيا على مجال نفوذ في شمال المغرب، في إطار ترتيبات استعمارية فرضتها القوى الأوروبية، تمهيدا لفرض نظام الحماية سنة 1912.

وكانت منطقة الريف، وخاصة محيط الناظور ومليلية، محط أطماع اقتصادية بسبب ما تزخر به من مكامن الحديد والرصاص. وبدأت الشركة الإسبانية لمناجم الريف استغلال بعض هذه الرواسب سنة 1908، فيما اتجهت سلطات الاحتلال ورؤوس الأموال المرتبطة بها إلى إنشاء خط للسكك الحديدية لنقل المعادن من مناطق استخراجها إلى ميناء مليلية المحتلة.

- Ad -

غير أن مد السكة الحديدية وتنفيذ المشاريع المنجمية تم دون اتفاق مع السكان والقبائل المحلية، ما فجر المواجهة. وبعبارة أخرى، كان المطلوب تأمين طريق يربط ثروات الريف بميناء يخدم التوسع الاستعماري، فيما تولى الجيش الإسباني مهمة حماية هذا المشروع بالقوة.

ومع تصاعد المقاومة، أرسلت حكومة أنطونيو ماورا قوات إضافية، بدعم من الملك ألفونسو الثالث عشر، لحماية المصالح المنجمية وتثبيت التوسع العسكري. وفي إسبانيا نفسها، أثارت الحرب غضبا بسبب نظام التجنيد الذي كان يسمح للأثرياء، في كثير من الحالات، بتفادي الخدمة مقابل المال، بينما كان أبناء الطبقات الفقيرة يتحملون عبء القتال، لذلك ارتبطت تلك الحرب في الذاكرة الاجتماعية الإسبانية بتعبير «حرب الفقراء».

أما ميدانيا، فكان أحد الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية هو السيطرة على المرتفعات ومحيط كتلة كوروكو الجبلية المطلة على مليلية المحتلة، من أجل إحكام السيطرة على المنطقة وتأمين الأشغال المنجمية وخطوط النقل. لكن القوات الإسبانية دخلت إلى تضاريس وعرة لم تكن تملك معرفة كافية بها، وسط سوء في الإعداد والانتشار التكتيكي ونقص في الوسائل.

وفي إغزار ن ووشن، استغل المقاتلون الريفيون طبيعة الجبال والمرتفعات لمواجهة القوات المتقدمة. وانتهت العملية إلى خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسباني، إذ تشير المعطيات الواردة في الرواية التاريخية الإسبانية إلى 153 قتيلا وأكثر من 500 جريح، بينهم الجنرال غييرمو بينتوس.

وحاولت الرقابة الحكومية الإسبانية في البداية الحد من وصول حجم الخسائر إلى الرأي العام، قبل أن تتضح فداحة ما جرى خلال عمليات لاحقة لاسترجاع الجثث. وأصبحت الواقعة لاحقا معروفة في الذاكرة الإسبانية باسم «كارثة بارانكو ديل لوبو»، كما تحولت إلى موضوع أغان شعبية إسبانية تتحدث عن الجنود الذين أرسلوا إلى «حرب مليلية».

ولم تمر الحرب دون انعكاسات داخل إسبانيا. فقد أدى استدعاء قوات الاحتياط من مدريد وبرشلونة، وبينهم رجال كانوا قد أدوا الخدمة العسكرية ولديهم أسر، إلى احتجاجات واسعة تزامنت مع أخبار القتلى والجرحى. وتطورت الاحتجاجات في برشلونة بين 26 يوليوز و2 غشت 1909 إلى ما عرف بـالأسبوع المأساوي، الذي خلف 78 قتيلا وأكثر من 500 جريح، إضافة إلى محاكمات عسكرية وإعدامات.

ورغم أن التفوق العسكري الإسباني سمح لاحقا بتوسيع نفوذ الاحتلال، فإن أحداث 1909 كشفت بوضوح أن الحرب لم تكن منفصلة عن الاستنزاف الاقتصادي للمنطقة. فقد أصبحت السنوات التالية مربحة بشكل كبير للشركات المنجمية، خصوصا خلال الحرب العالمية الأولى، مع ارتفاع الطلب على خام الحديد واستفادة رؤوس الأموال والشبكات المالية المرتبطة بالاستغلال المنجمي في الريف.

كما استفاد جزء من المؤسسة العسكرية الإسبانية، خاصة ما عرف لاحقا بالتيار «الأفريقاني»، من استمرار الوجود الاستعماري، بعدما أصبحت الحملات في شمال المغرب طريقا سريعا للترقي العسكري والحصول على الامتيازات.

وبعد 117 سنة على معركة إغزار ن ووشن، تبقى هذه المواجهة شاهدة على حقيقة أعمق من مجرد خسائر عسكرية: فقد واجه سكان الريف مشروعا استعماريا جمع بين الاحتلال العسكري والاستيلاء على الأرض واستغلال المعادن وتسخير البنية التحتية لنقل الثروات خارج المنطقة. وكانت محاولة إخضاع المرتفعات المحيطة بكوروكو، وتأمين المناجم وخطوط نقل الحديد والرصاص نحو مليلية المحتلة، جزءا أساسيا من السياق الذي قاد إلى واحدة من أشهر هزائم الجيش الإسباني في الريف.

مقالات ذات صلة