تسلط صحيفة Infodefensa الإسبانية المتخصصة في شؤون الدفاع والتسليح الضوء على التطور المتسارع الذي تعرفه المدفعية الصاروخية بعيدة المدى لدى القوات المسلحة الملكية المغربية، معتبرة أن الرباط لا تكتفي باقتناء منظومة واحدة، وإنما تعمل على بناء قدرة نيران متعددة المستويات تجمع بين أنظمة أمريكية وإسرائيلية وصينية.
وتضع الصحيفة وصول منظومات HIMARS الأمريكية المرتقب ضمن أبرز التطورات في هذا المجال، إلى جانب وجود أنظمة صينية من طراز PHL-03/AR-2، واقتناء منظومات إسرائيلية من نوع PULS وفق المعطيات المتاحة من المصادر المفتوحة.
وترى Infodefensa أن هذه التركيبة تجعل المغرب من أكثر الجيوش تنوعا في مجال المدفعية الصاروخية داخل محيطه الجغرافي، سواء من حيث مصادر التسليح أو أنواع الذخائر أو المديات التي يمكن الوصول إليها.
18 HIMARS مصادق عليها.. و10 منها مبرمجة لعام 2027
بحسب التقرير الإسباني، وافقت الولايات المتحدة في أبريل 2023 على صفقة محتملة للمغرب تشمل 18 منظومة HIMARS M142 بقيمة تصل إلى نحو 524.2 مليون دولار.
ولا تكمن أهمية HIMARS، بحسب التقرير، في المنصة نفسها فقط، وإنما في منظومة الذخائر المرتبطة بها.
فالصفقة التي سبق أن وافقت عليها واشنطن تشمل 40 صاروخا تكتيكيا من طراز ATACMS M57، إضافة إلى 36 صاروخا موجها من نوع M31A2 GMLRS و36 صاروخا من نوع M30A2 GMLRS، فضلا عن مركبات وأنظمة قيادة وتحكم ودعم لوجستي.
وتمنح صواريخ ATACMS قدرة ضرب على مسافات تصل إلى نحو 300 كيلومتر، بينما توفر صواريخ GMLRS قدرة نيران موجهة على مدى أقصر.
وهنا تكمن، وفق Infodefensa، إحدى أهم نقاط التحول في القدرات المغربية: الانتقال من مجرد امتلاك راجمات صاروخية إلى بناء منظومة نيران دقيقة تعتمد على أنواع مختلفة من الذخائر.
PHL-03 الصيني.. قوة نيران كبيرة
قبل وصول HIMARS، يمتلك المغرب بالفعل قدرة صاروخية صينية ثقيلة.
وتشير المصادر المفتوحة التي تستند إليها Infodefensa إلى وجود نحو 36 منظومة PHL-03/AR-2 لدى القوات المسلحة الملكية.
وتستخدم هذه المنظومة صواريخ من عيار 300 ملم، وتضم كل راجمة 12 أنبوب إطلاق، وهي مستوحاة من مفهوم منظومة BM-30 Smerch السوفياتية.
وتوضح الصحيفة الإسبانية أن فلسفة PHL-03 تختلف عن HIMARS. فالمنظومة الصينية تركز بصورة أكبر على إطلاق رشقات كثيفة من الصواريخ الثقيلة، في حين أن HIMARS ترتبط في الحالة المغربية بعائلة ذخائر موجهة تشمل GMLRS وATACMS.
وبذلك لا يتعلق الأمر باستبدال منظومة بأخرى، وإنما بإضافة طبقة جديدة إلى القوة الصاروخية المغربية.
PULS الإسرائيلي.. منظومة واحدة وذخائر متعددة
العنصر الثالث في هذه المنظومة هو PULS الإسرائيلية التي تنتجها شركة Elbit Systems.
وتذكر Infodefensa أن المغرب أبدى اهتماما بالمنظومة منذ عام 2023، بعدما اطلع ممثلو المدفعية المغربية في إسرائيل على قدراتها.
وتتميز PULS بإمكانية تشغيل أنواع مختلفة من الذخائر من المنصة نفسها، بحسب إعدادها. ويمكنها، وفقا للصحيفة، إطلاق ما يصل إلى 36 صاروخا من عيار 122 ملم Accular، أو ثمانية صواريخ Extra يصل مداها إلى نحو 150 كيلومترا، أو أربعة صواريخ Predator Hawk بمدى يصل إلى نحو 300 كيلومتر.
وماذا عن صاروخ LORA؟
يتطرق التقرير أيضا إلى احتمال حصول المغرب على الصاروخ الإسرائيلي LORA، لكنه يصنف هذه المسألة ضمن المعلومات غير المؤكدة.
وتوضح Infodefensa أن هناك معطيات عن اهتمام مغربي محتمل بهذا النظام، دون وجود تأكيد رسمي على إبرام عقد.
ويبلغ وزن صاروخ LORA نحو 1,600 كيلوغرام وطوله حوالي 5.2 أمتار، ويستخدم التوجيه عبر GPS/INS، فيما تعلن الشركة المصنعة عن مدى يتراوح بين 90 و430 كيلومترا.
وبالتالي، فإن إدخال LORA ضمن القدرات المغربية يجب، بحسب التقرير الإسباني، أن يبقى في خانة الاحتمال وليس الصفقة المؤكدة.
المغرب لا يجمع راجمات فقط.. بل يبني “هندسة نيران”
ترى Infodefensa أن القراءة الأهم لهذا التنوع لا تتمثل في عدد أنواع الراجمات التي يمتلكها المغرب، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتكامل بها هذه الأنظمة.
فالـPHL-03 يوفر قوة نيران كبيرة وعيارا ثقيلا، بينما تمنح PULS مرونة في اختيار الذخائر والمديات، في حين تضيف HIMARS منصة أمريكية عالية الحركة مرتبطة بذخائر دقيقة تشمل ATACMS وGMLRS.
وتمنح هذه التوليفة المغرب إمكانية اختيار السلاح والذخيرة بحسب طبيعة المهمة، بدلا من الاعتماد على نوع واحد من الأنظمة.
لكن الصحيفة الإسبانية تشير أيضا إلى جانب آخر من المعادلة: تعدد الموردين يخلق تحديات لوجستية كبيرة، تشمل الصيانة وقطع الغيار والتدريب والبرمجيات وسلاسل الإمداد والإجراءات التشغيلية.
ومن وجهة نظر Infodefensa، فإن امتلاك صواريخ بمدى 150 أو 300 كيلومتر لا يكفي وحده لبناء قدرة نيران دقيقة وفعالة. إذ تحتاج هذه القدرات إلى منظومة متكاملة تشمل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، واكتساب الأهداف، والقيادة والتحكم، وتقييم نتائج الضربات.
لماذا تتابع إسبانيا هذا التطور؟
تخصص Infodefensa جزءا مهما من تحليلها لتداعيات تطور المدفعية الصاروخية المغربية على إسبانيا، خصوصا في ظل الموقع الجغرافي للمملكة على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.
وترى الصحيفة أن أهمية الموضوع بالنسبة لإسبانيا ترتبط بعاملين: الارتفاع الفعلي في قدرات النيران بعيدة المدى لدى المغرب، والسرعة التي يعمل بها على تطوير هذه القدرة.
وفي المقابل، تحاول إسبانيا تطوير برنامج Silam الخاص بمدفعية الصواريخ بعيدة المدى.
ويشمل البرنامج الإسباني، بحسب التقرير، 12 راجمة إلى جانب عائلة من الذخائر الموجهة التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر، فضلا عن رادارات وطائرات مسيرة ومركبات للاستطلاع والقيادة.
لكن المشروع الإسباني يواجه تعثرا، بعدما قررت وزارة الدفاع الإسبانية عدم اعتماد منظومة PULS كأساس للبرنامج بسبب كونها منتجا إسرائيليا، واختارت المضي في تطوير منظومة بمشاركة شركات إسبانية، أبرزها Indra وEM&E، دون تحقيق تقدم كبير حتى الآن، وفقا لـInfodefensa.
وتخلص الصحيفة الإسبانية إلى أن المقارنة بين المغرب وإسبانيا لا ينبغي أن تقوم على عد الراجمات أو الصواريخ فقط.
فالعامل الحاسم، بحسب التحليل، هو امتلاك سلسلة متكاملة تربط بين أجهزة الاستشعار والاستطلاع وتحديد الأهداف والقيادة والسيطرة والأسلحة والذخائر، مع ضمان قدرة الوحدات على الحركة والبقاء وإعادة الانتشار.
وتضع Infodefensa التطور المغربي أيضا في سياق عالمي أوسع فرضته الحرب في أوكرانيا، حيث عادت المدفعية الصاروخية والصواريخ التكتيكية بعيدة المدى إلى واجهة العمليات العسكرية، خصوصا في استهداف الأهداف ذات القيمة العالية على مسافات بعيدة.
وبالنسبة للمغرب، فإن أبرز ما يلفت انتباه الصحيفة الإسبانية هو تنوع مصادر التسليح: الولايات المتحدة وإسرائيل والصين، مع الجمع بين راجمات ثقيلة وأنظمة أكثر مرونة وذخائر موجهة مختلفة المديات.
أما احتمال إضافة LORA إلى هذه الترسانة، فتؤكد Infodefensa أنه يبقى غير محسوم في غياب إعلان رسمي.
وبذلك، فإن صورة القوة الصاروخية المغربية التي ترسمها الصحيفة لا تقوم فقط على اقتناء HIMARS أو PULS أو PHL-03 كل على حدة، وإنما على توجه أوسع نحو بناء قدرة نيران بعيدة المدى ومتعددة الطبقات، ترتبط قيمتها الفعلية بمدى نجاح المغرب في دمجها مع شبكات الاستطلاع والطائرات المسيرة وأنظمة القيادة والتحكم.


